فخر الدين الرازي

179

المطالب العالية من العلم الإلهي

السؤال الثاني : هب أن حدوث الشيء عن المادة السابقة : معقول . فلم قلتم : إن الأمر كذلك ؟ وتقريره : إنكم إما أن تقولوا : إن هذه المقدمة ضرورية أو نظرية . لا جائز كونها ضرورية . لأن جميع المسلمين القائلين بحدوث الأجسام : اتفقوا على أنها حادثة عن محض العدم ، ولو كان افتقار الحادث إلى المادة السابقة : معلوما بالضرورة ، لامتنع اختلاف العقلاء فيه . وأيضا : فلو جاز لكم ادعاء البديهة في قولكم ، لجاز لخصومكم ادعاء البديهة في قولهم . فقد ظهر بهذا الكلام : فساد ادعاء الضرورة فيه . وأما الدليل . فأنتم ما ذكرتم دليلا في أن كل محدث ، فلا بد له من مادة . فقد سقط هذا الكلام . ولنتكلم الآن على الوجوه التي ذكرتموها . فنقول : أما الوجه الأول من الوجوه الثلاثة التي ذكرتموها : فجوابه : إنه لا نزاع في أن من تشكك في أن هذا الشخص الذي نشاهده الآن ، لعله حدث الآن على هذا الوجه . فإنه يقضي عليه بالجنون . إلا أن هذا ، إنما يدل على كوننا قاطعين بأن هذا المعنى لم يقع الآن . فلم قلتم : إنه يدل على كوننا قاطعين بأنه يمتنع وقوعه ؟ وتقريره : إن الوقوع غير ، وجواز الوقوع غير ، فنحن قاطعون بعدم الوقوع . فأما ادعاء كوننا قاطعين . بامتناع الوقوع على هذا الوجه ، فهذا ممنوع . فما الدليل عليه ؟ وأما الوجه الثاني : فلا نسلم أن حكم العقلاء بافتقار البناء [ إلى الباني ، مثل حكمهم بافتقار البناء « 1 » ] إلى المادة والمدة ، والدليل عليه : أن جمهور المتكلمين [ قاطعون « 2 » ] بافتقار البناء إلى الباني ، وقاطعون « 3 » بافتقاره إلى المادة والمدة . وأما الوجه الثالث : فنقول : إنه تعالى فاعل مختار ، فله أن يفعل ما شاء ، كما شاء . فلعله خلق الأجسام ابتداء ، لا عن مادة أصلا ، ثم إنه تعالى

--> ( 1 ) من ( ط ، س ) ( 2 ) من ( ت ) ( 3 ) وقاطعوا بعدم افتقاره ( ت )