فخر الدين الرازي

165

المطالب العالية من العلم الإلهي

الأول : إن القائلين بأن المعدوم شيء ، لا يقولون : الفلك من حيث إنه فلك ثابت في العدم ، والجبل من حيث إنه جبل في العدم . إنما يقولون : ذلك في الماهيات البسيطة ، كالسواد والبياض والجوهر . والثاني : إنكم سلمتم : أن هذه الماهيات ثابتة في أنفسها ، خارج الأذهان . فلا معنى للوجود إلا ذلك . والذي يدل على ما قلناه : أن هذه الماهيات بتقدير أن تكون ثابتة في أنفسها ، متقررة في حقائقها ، فإنها متشاركة في كونها متقررة [ محصلة « 1 » ] خارج الذهن ، ومختلفة بخصوصياتها . وما به المشاركة غير ما به المخالفة . فيلزم : أن يكون كونها ثابتة في أنفسها متقررة « 2 » في حقائقها : أمرا زائدا على كل ما لكل واحد منها من الحقيقة المخصوصة . فيثبت : أن هذه الماهيات بتقدير أن يقال : إنها متقررة في أنفسها ، فإنها لا بدّ وأن تكون موصوفة بصفة الوجود . وأما السؤال السادس : وهو قوله : « لم لا يجوز أن تكون هذه المعلومات صورا ذهنية » ؟ فالجواب : [ ما ذكرنا ] « 3 » [ وهو ] « 4 » أنه لو كان كذلك ، لكان العالم بالاستقامة والاستدارة : مستقيما مستديرا . وهو محال . أما قوله : « المرتسم في الذهن صورة المعلوم ومثاله » قلنا : هذا باطل ، وذلك لأن المعلوم هو [ تمام ] « 5 » تلك الماهية . فإذا دللنا على أن ذلك المعلوم لا بد وأن يكون موجودا [ ثم قلنا : إنه إما أن يكون موجودا « 6 » ] في الذهن [ أو في الخارج ، فبتقدير أنه يبطل كونه في الخارج ، وجب أن يكون موجودا في الذهن « 7 » ] فحينئذ يجب أن تكون تلك الماهية بتمامها حاصلة في الذهن ، وحينئذ يعود الإلزام .

--> ( 1 ) من ( ت ) ( 2 ) متصورة ( ط ، س ) ( 3 ) من ( ت ) ( 4 ) من ( ت ) ( 5 ) زيادة ( 6 ) من ( ط ، س ) ( 7 ) من ( س )