فخر الدين الرازي

157

المطالب العالية من العلم الإلهي

كونه تعالى موجبا بالذات . وذلك يوجب دوام العالم بدوامه . وإنما قلنا : إن كونه تعالى عالما بالجزئيات [ يقتضي كونه موجبا بالذات ، لأنه لما كان عالما بالجزئيات « 1 » ] كان عالما بأن الشيء الفلاني يقع في الوقت الفلاني على الصفة الفلانية ، وأن الشيء الفلاني لا يقع البتة ، وما علم اللّه وقوعه ، كان واجب الوقوع ، لأن عدم وقوعه ، يستلزم أن ينقلب علم اللّه جهلا . وهو محال . ومستلزم المحال : محال . فعدم وقوعه : محال . فوقوعه : واجب . وبهذا الدليل أيضا : ما علم اللّه عدم وقوعه : كان ممتنع الوقوع أيضا . والشيء الذي يكون واجب الوقوع « 2 » أو يكون ممتنع الوقوع ، لم يكن القادر متمكنا من فعله وتركه . وذلك يقدح في كونه تعالى قادرا ، ويقتضي كونه موجبا بالذات . وإذا ثبت « 3 » [ أن كونه عالما بالجزئيات ، يقتضي كونه تعالى موجبا بالذات ، وثبت « 4 » ] أنه متى كان موجبا بالذات : لزم من دوام الموجب ، دوام الأثر . وذلك هو المطلوب . ولهذا الكلام تقرير آخر ، وهو أن يقال : العالم ممكن الوجود لذاته . وقد بينا : أنه من حيث إنه معلوم الوقوع ، وجب أن يكون واجب الوقوع . والعلم لا يقلب « 5 » ماهية المعلوم ولا يغيره . فهذا الوجوب ما جاء البتة من العلم ، بل جاء من سبب آخر . فهذا الوجوب يدل على أن سببا آخر ، اقتضى صيرورة العالم ، واجب الوقوع . لأنه لما دل كونه معلوم الوقوع ، على كونه واجب الوقوع ، وثبت : أن المؤثر في هذا الوجود ، ليس هو صفة العلم : وجب أن يكون المؤثر فيه : صفة أخرى . فيثبت : أنه تعالى موجب لوجود العالم ، إما لعين ذاته المخصوصة ، أو لصفة أخرى من صفاته . وعلى [ هذين ] « 6 » التقديرين ، فالتقريب معلوم فيثبت : أنه تعالى إما أن يكون عالما بالجزئيات ،

--> ( 1 ) من ( ط ، س ) ( 2 ) الوجود ( ت ) ( 3 ) وثبت ( ت ) ( 4 ) من ( ط ، س ) ( 5 ) لا ينقلب ماهية المعلوم ولا لغيره ( ت ) ( 6 ) من ( ط ، س )