فخر الدين الرازي

145

المطالب العالية من العلم الإلهي

والوجه الثالث : في دفع [ هذا ] « 1 » السؤال : أن القدرة الصالحة للكفران ، كانت متعينة للكفر ، فحينئذ يكون خلق تلك القدرة في الكافر ، إلجاء له إلى الكفر ، وإن كانت صالحة للإيمان والكفر معا ، فرجحان أحد الجانبين على الآخر ، إن لم يتوقف على المرجح ، لزم حصول الرجحان لا لمرجح ، وهو محال . وإن توقف على المرجح ، فذلك المرجح إن كان من العبد ، عاد التقسيم فيه . ولزم التسلسل . وإن كان من اللّه ، فحينئذ يكون مجموع القدرة مع « 2 » ذلك المرجح موجبا للكفر ، فيعود ما ذكرنا من « 3 » أن اللّه تعالى ألجأ الكافر ، إلى الكفر . وذلك يبطل قولهم : أنه تعالى ما أراد به إلا الخير والصلاح . فيثبت بهذه الوجوه : أنه يمتنع أن يقال : إنه تعالى خلق الخلق لغرض نفسه ، أو يقال : إنه خلقهم لغرض يعود إليهم . وأما القسم الثالث ، وهو أن يقال : إنه تعالى خلقهم لا لغرض وحكمة أصلا . فنقول : هذا أيضا : باطل لوجوه : الأول : إن الفعل الخالي عن الحكمة : سفاهة ، وهي غير لائقة بالحكيم الرحيم . والثاني : إنه لم يمتنع ذلك ، فحينئذ لا يقبح من اللّه تعالى شيء أصلا ، فوجب أن يحسن منه أن يعاقب الأنبياء والرسل [ بأعظم ] « 4 » أنواع العقاب ، وأن يحسن منه إدخال الدهرية في أعلى درجات الجنة ، وأن لا يحصل الوثوق بوعده ووعيده ، وأن لا تتميز طاعته عن معصيته . وكل ذلك يبطل [ الحكمة ] « 5 » الإلهية . فيثبت : أنه تعالى لو كان محدثا للعالم ، بعد أن لم يكن

--> ( 1 ) سقط ( ط ) ( 2 ) من ( ت ) ( 3 ) ما ذكرناه أنه تعالى ( ت ) ( 4 ) ( س ) ( 5 ) من ( ت )