فخر الدين الرازي

14

المطالب العالية من العلم الإلهي

وإذا ثبت هذا فنقول : إن كان المراد بكون العدم سابقا على وجود « 1 » التقدم بالعلية فهذا محال : لأن العدم لا يكون علة للوجود . وإن كان المراد به التقدم بالذات ، فهذا مسلّم . لأن العالم عندنا ممكن ، والممكن ليس له من ذاته إلا عدم الاستحقاق ، وله من غيره ثبوت الاستحقاق . وما له من ذاته ، سابق على ما له من غيره ، سبقا بالذات ، وأما التقدم : بالشرف والمكان ، فظاهر الامتناع . بقي التقدم بالزمان [ فنقول : التقدم بالزمان « 2 » ] لا يحصل إلا مع حصول الزمان ، فإذا كان تقدم عدم العالم على وجوده ، تقدما لا أول له ، وثبت أن هذا التقدم ليس إلا بالزمان ، وثبت أن التقدم بالزمان لا يحصل إلا مع حصول الزمان ، فهذا يقتضي قدم الزمان . ثم ثبت في الطبيعيات : أن الزمان من لواحق الحركة ، التي هي من لواحق الحسم ، فيلزم من قدم الزمان قدم الجسم . فيثبت : أن تفسير حدوث الأجسام بما ذكرتموه يوجب القول بقدم الأجسام ، فكان ما ذكرتموه من التفسير باطلا . هذا إذا فسرتم أن المحدث بأنه الذي يكون مسبوقا بالعدم . أما إذا فسرتموه بأنه الذي يكون مسبوقا بوجود غيره ، فنقول : إن أردتم به السبق بالعلية أو بالذات أو بالشرف ، فالكل مسلم . لأن عندنا العالم ممكن لذاته ، واجب لوجوب « 3 » علته ، فتكون تلك العلة سابقة على العالم بالعلية وبالذات وبالشرف . وأما بالمكان فباطل بالاتفاق ، وبتقدير ثبوته ، فإنه لا ينافي القول بقدم العالم ، لأنه لا يمتنع في أول العقل « 4 » وجود موجود فوق هذا العالم بالمكان ، ويكون دائم الوجود مع دوام هذا العالم . بقي السبق بالزمان فيعود ما ذكرناه من أنه [ لما « 5 » ] كان سابقا على العالم بالزمان ، وكان سبقه على العالم سبقا لا أول له ، فحينئذ يلزم الاعتراف بأن الزمان لا أول لوجوده ، وحينئذ يلزم المحال المذكور .

--> ( 1 ) الوجود ( ت ، ط ) . ( 2 ) سقط ( ت ) . ( 3 ) يوجب ( ت ) . ( 4 ) الفعل ( ت ) . ( 5 ) من ( ط ، س ) .