فخر الدين الرازي
131
المطالب العالية من العلم الإلهي
والثاني : إن ذلك الوقت لما انقضى ومضى ، فبعد انقضائه لو بقيت الإرادة متعلقة بإحداث العالم ، في ذلك الوقت : كان ذلك قصدا ، إلى إيقاع الفعل في الزمان الماضي ، وإنه محال . فيثبت : أن العالم بعد دخوله في الوجود ، يمتنع بقاء الإرادة [ الأزلية ] « 1 » متعلقة بإدخال عين ذلك العالم في عين ذلك الوقت ، في الوجود ، فوجب القول بزوال ذلك التعلق وبطلانه . لكنا بينا : أن ذلك [ التعلق ] « 2 » المخصوص من لوازم ماهية تلك الإرادة . وزوال اللازم يدل على زوال الملزوم . فيثبت : أن تلك الإرادة واجبة العدم ، بعد دخول « 3 » ذلك المراد في الوجود ، وكل ما صح عدمه ، امتنع قدمه . فهذا دليل قوي على أن القول بأن إرادة اللّه تعالى قديمة قول باطل . وأما أنه يمتنع كونها حادثة ، فلأنها لو كانت حادثة ، لكانت إما أن تحدث في ذات اللّه تعالى ، أو في ذات أخرى ، أو لا في محل . والكل باطل بالوجوه المشهورة ، فكان القول به : باطلا . الحجة الثالثة : إن كل من قصد إلى إحداث شيء ، فإما أن يكون ذلك الإحداث به أولى في ظنه واعتقاده من تركه ، وإما أن لا يكون . فإن كان الأول لزم كونه ناقصا بذاته ، مستكملا بغيره ، وذلك في حق واجب الوجود [ لذاته ] « 4 » محال ، وإن كان الثاني ، فحينئذ لا يترجح قصد الإحداث على قصد الترك ، وذلك لأن قصد الإحداث ترجيح ، وحصول الرجحان حال حصول عدم الرجحان : محال . فإن قالوا : كونه ناقصا لذاته ، مستكملا بغيره : إنما يلزم لو رجح الإحداث على تركه ، لنفع يعود إليه . أما إذا رجحه لنفع يعود إلى الغير ، لم يلزم المحال المذكور . قلنا : إيصال الخير والنفع إلى الغير ، وعدم إيصاله إليه إن استويا بالنسبة
--> ( 1 ) من ( ط ، س ) ( 2 ) من ( ط ، س ) ( 3 ) حصول ( ط ) ( 4 ) من ( ت )