فخر الدين الرازي
96
المطالب العالية من العلم الإلهي
وهي متقدمة على حصول هذا الاحتياج والافتقار [ وأما الواقع بالفاعل والمؤثر فهو الوجود ، وهو متأخر بالرتبة عن حصول هذا الافتقار ] « 1 » ؟ لأنا نقول : الماهية من حيث هي هي ، إما أن تكون مفتقرة إلى المؤثر ، أو لا تكون ، فإن كانت مفتقرة إلى المؤثر لزم تقدمها على الافتقار وتأخرها عنه على ما بيناه ، فيعود الخلف ، وإن لم تكن مفتقرة إلى المؤثرة ، كان المفتقر إلى المؤثر هو الوجود فقط ، أو موصوفية الماهية بالوجود ، وعلى التقديرين فيلزم منه حصول التقدم والتأخر معا وهو محال . الشبهة الخامسة : المفتقر إلى المؤثر يمتنع [ أن يكون ] « 2 » هو الماهية ، [ ويمتنع أن يكون هو الوجود ] « 3 » ويمتنع أن يكون هو موصوفية الماهية بالوجود ، وإذا امتنعت الأقسام الثلاثة ، امتنع كون الماهية مفتقرة إلى المؤثر . فيفتقر في تقرير هذا الكلام إلى إثبات أقسام « 4 » أربعة : الأول : قولنا : إنه يمتنع أن يكون المفتقر إلى المؤثر هو الماهية . وبيانه من وجهين : الأول : إن كل ما [ كان بالغير ، فإنه يجب أن يرتفع عند ارتفاع عدم ذلك الغير . فلو كانت الماهية من حيث هي هي ، مفتقرة إلى المؤثر ، لزم من فرض عدم ذلك الغير « 5 » ] بطلان الماهية ، من حيث هي هي [ لكن بطلان الماهية من حيث هي هي ] « 6 » محال . لأن السواد يمتنع أن ينقلب غير سواد ، والبياض يمتنع أن ينقلب غير بياض . والوجه الثاني : إن المفتقر إلى المؤثر ما يكون ممكنا ، والإمكان حالة نسبة إضافية بين الماهية وبين صفة من صفاتها ، لأنا إذا قلنا : إن كذا ممكن أن يكون كذا ، فهذا المعنى إنما يعقل إذا كان المفهوم من الموضوع مغايرا للمحمول . فإنه يمتنع أن يقال : السواد يمكن أن يكون سوادا . أما ما لا يمتنع أن يقال : السواد يمكن أن يكون موجودا . فثبت أن المحوج إلى المؤثر [ هو الإمكان ، وثبت : أن
--> ( 1 ) من ( ز ) . ( 2 ) من ( ز ) . ( 3 ) من ( ز ، س ) . ( 4 ) الأصل : أمور . ( 5 ) من ( ز ) . ( 6 ) من ( س ) .