فخر الدين الرازي
87
المطالب العالية من العلم الإلهي
الفصل الثالث في تقرير قول من يقول : هذه المقدمة استدلالية أعلم أن الشيخ الرئيس أبا علي [ ابن سينا ] « 1 » مضطرب القول في هذا الموضوع ، وذلك لأنه أينما يذكر هذه المقدمة في كتبه الطويلة والمختصرة فإنه يدعي إقامة البرهان على صحتها ، ثم إنه يذكر تقسيمات طويلة خارجة عن المقصود ، ثم إذا انتهى إلى هذا القسم الذي هو المطلوب والمقصود فإنه يدعي فيه البديهة . وكل من طالع كتبه بالتأمل التام عرف أن الأمر كما ذكرناه . فهو في أول الأمر يدعي كونها استدلالية ، وفي آخر الأمر عند ضيق الكلام عليه يدعي كونها بديهية ، ورأيت أبا الحسين محمد بن علي البصري - وهو كان من أذكياء المعتزلة - احتج على صحة هذه المقدمة في الكتاب الذي سماه بالتصفح ، فقال : « الممكن هو الذي استوى طرفاه فلو حصل الرجحان من غير مرجح ، لزم أن يحصل الرجحان حال حصول الاستواء وذلك جمع بين النقيضين وهو محال ، ولقائل أن يقول : هذا التناقض غير لازم ، وذلك لأن الممكن هو الذي تكون ماهيته غير مقتضية لرجحان أحد الطرفين على الآخر [ ونقيض القضية أن يقال : إن تلك الماهية مقتضية لرجحان أحد الطرفين على الآخر ] « 2 » فأما أن يقال : إن حقيقته لا تقتضي الرجحان ، ثم إنه حصل الرجحان لا لذاته ولا لغيره ، فعلى هذا التقدير لا يلزم التناقض » .
--> ( 1 ) من ( ز ) . ( 2 ) من ( ز ) .