فخر الدين الرازي

81

المطالب العالية من العلم الإلهي

العقلاء من نفوسهم وعقولهم ، وجدانا ظاهريا جليا . فإن فتحتم باب الإنكار ، على سبيل المكابرة ، انفتحت تلك الأبواب في الكل . وحينئذ يفسد الكل . وأما الجواب عن السؤال الثاني : وهو أن العقل ، وإن حكم بحصول التفاوت في بعض الأوقات ، فقد يحكم بينها بالاستواء في سائر الأوقات . فنقول : إن وقوع التفاوت في بعض الصور يكفي في القدح ، وأما حصول المساواة في الصور الكثيرة فإنه لا يفيد الصحة . وبيانه : وهو أن القضية البديهية هي التي يكون [ مجرد ] « 1 » تصور موضوعها ، ومحمولها كافيا في جزم الذهن بنسبة أحدهما إلى الآخر ، إما بالنفي أو الإثبات . فنقول : لو كانت هذه القضية بديهية لكان تصور موضوعها ومحمولها كافيا في إيقاع ذلك التصديق ، ولو كان الأمر كذلك لامتنع خلو حصول هذين التصورين عن حصول ذلك الجزم في التصديق ، وحيث خلا هذان التصوران عن الجزم الحاصل في التصديق ولو في صورة واحدة ، كفي ذلك في العلم ، بأن هذين التصورين لا يوجبان ذلك التصديق ، فإن استثناء نقيض التالي ينتج نقيض المقدم ، أما لو حصل هذا الجزم في ألف ألف صورة ، فإنه لا يفيد البتة شيئا لأن استثناء عين التالي لا ينتج شيئا البتة . وأما الجواب عن السؤال الثالث : فمن وجهين : الأول : إنا لا نسلم أن شيئا من التصورات ، يمكن أن يكون كسبيا . وقد مر تقرير هذا الأصل ، في أول علم المنطق . والثاني : سلمنا أن التصور يمكن أن يكون كسبيا نستحضر ماهية الممكن ، وماهية الاحتياج ، وماهية المؤثر على أقصى الوجوه في عقولنا وأذهاننا ، فإن الممكن ، لا تفسير له ، إلا الذي يقبل الوجود والعدم ، من حيث هو هو . أو أنه الذي لا يلزم من فرض وجوده وفرض عدمه ، من حيث

--> ( 1 ) من ( ز ) .