فخر الدين الرازي

57

المطالب العالية من العلم الإلهي

وكما أن مراتب الجبال ( المشتملة على المعادن ) « 1 » مختلفة في القلة والكثرة ، اختلافا لا يمكن ضبطه ، فكذلك مراتب درجات الأرواح مختلفة بالقوة والضعف والقلة والكثرة ، اختلافا لا يمكن ضبطه ، وكما أنه لا يبعد أن يوجد في النوادر جبل مشتمل على غار مملوء من الذهب « 2 » ، فكذلك لا يمتنع أن يوجد في الاعصار المتباعدة إنسان يكون غار روحه ، مملوءا من أنوار جلال اللّه . وإذا وقفت على هذا المثال ، عرفت أنه ليس كل من خاض في الرياضة ، وإن كانت على أصعب الوجوه ، وجب أن يصل إلى شيء . وأيضا فليس كل من وصل إلى شيء ، فقد وصل إلى الغاية ، بل الغاية في هذا الطريق ممتنعة ، فكما أنه لا نهاية لجلال اللّه ، ولعلو كبريائه ، فكذلك لا نهاية لمراتب السعادات في هذا الباب . فليكن هذا المثال نصب عينيك ، وقائما عند خيالك ، لئلا تغتر ، فتظن أن كل من سلك وصل ، وكل من طلب وجد ، ونقول : لا ننكر أن لتلك الرياضات آثارا من بعض الوجوه ، فإن للمواظب على العمل أثرا من بعض الوجوه . إلا أنه من الظاهر أنه ليس التكحل في العينين كالكحل . ونعم ما قاله حكيم الشعراء : يراد من القلب نسيانكم * وتأبى الطباع على الثاقل وقال أرسطاطاليس : « من أراد أن يشرع « 3 » في طلب هذه المعارف الإلهية فليستحدث لنفسه فطرة أخرى » والمراد منه أن يبالغ الإنسان في تجريد عقله من علائق الحس ( والوهم ) « 4 » والخيال . هذا ما في هذا المقام .

--> ( 1 ) من ( ز ) . ( 2 ) ذهبا إبريزا ( س ) . ( 3 ) الشروع ( س ) . ( 4 ) من ( ز ) .