فخر الدين الرازي

54

المطالب العالية من العلم الإلهي

لذاته فهو المقصود ، وإن كان ممكنا لذاته فلا بد له من الواجب لذاته فثبت أن اعتبار حال الموجود من حيث إنه موجود ، يشهد بوجود موجود ، هو واجب الوجود لذاته » فهذا ما قاله ثم رجح هذا الطريق ( على الطريق ) « 1 » الذي يستدل فيه بإمكان ما سواه على وجوده . واعلم أن البحث المستقصى ( يدل ) « 2 » على أن هذا الكلام ليس بقوي ( وذلك ) « 3 » لأنا إذا قلنا : الموجود إما واجب لذاته ، أو ممكن لذاته ، فإن كان ممكنا لذاته ، امتنع رجحان وجوده على عدمه إلا لمرجح ، فهذا استدلال بوجود الممكن على وجود الواجب ، فثبت أنه لا سبيل إلى إثبات واجب الوجود إلا بهذه المقدمة . وأيضا : فهب أن الطريق الذي ذكره يدل على إثبات واجب الوجود لذاته ، إلا أنه ( يبقى ) « 4 » الشك في أن ذلك الموجود الواجب لذاته ، هل هو هذه الأجسام أو غيرها ؟ فما لم يقم البرهان على أن هذه الأجسام ممكنة لذواتها ، لم يقدر على الحكم باحتياجها في وجودها إلى المؤثر « 5 » والمرجح . فيثبت بما ذكرنا : أن معرفة واجب الوجود لذاته ، لا تحصل « 6 » إلا إذا اعتبرنا أحوال وجود هذه المحسوسات ، فإنا إذا بينا أنها ممكنة لذواتها ، ثم بينا أن الممكن لذاته لا بدّ له من المرجح ، ثم بينا أن التسلسل والدور باطلان ، فعند ذلك يمكننا الجزم بإثبات موجود واجب الوجود لذاته . فهذا حاصل الكلام في الاستدلال بوجود غير اللّه على وجود اللّه تعالى . وأما الطريق الثاني ، وهو طريق أصحاب الرياضة : فهو طريق عجيب « 7 » أكيد قاهر فإن الإنسان إذا اشتغل بتصفية قلبه عن ذكر غير اللّه وداوم بلسان جسده ، ولسان روحه على ذكر اللّه ، وقع في قلبه نور وضوء « 8 » وحالة قاهرة وقوة عالية . ويتجلى لجوهر النفس أنوار عالية علوية وأسرار إلهية ، وهي مقامات ما لم يصل الإنسان إليها ، لا يمكنه الوقوف عليها على سبيل

--> ( 1 ) من ( ز ) . ( 2 ) من ( ز ) . ( 3 ) من ( س ) . ( 4 ) يقع ( س ) . ( 5 ) المدبر ( س ) . ( 6 ) نحتاج ( س ) . ( 7 ) عجيب لذيذ قوي ماهر ( ز ) . ( 8 ) صبر ونور ( س ) .