فخر الدين الرازي

42

المطالب العالية من العلم الإلهي

بذلك الشيء ، ولذلك فإنه يقول : أدركت هذا الشيء وعرفته ، إلا أن علمه بكونه عالما بذلك الشيء ، مسبوق بعلمه بذاته المخصوصة ( لأن من لا يعلم ذاته ، كيف يمكنه أن يحكم عليها بكونها عالمة بذلك المعلوم ) « 1 » ؟ وكذلك فإنهم قالوا : كل تصديق فإنه مسبوق بتصور ، ومن الظاهر أن الشرط سابق « 2 » بالرتبة على المشروط وهذا يدل على أن علم كل أحد بأي معلوم كان ، مشروط بعلمه بذاته المخصوصة ( ومسبوق بعلمه بذاته المخصوصة ) « 3 » فيثبت أن علم كل أحد بذاته سابق على علمه بكل ما يغاير ذاته ، سواء كان ذلك العلم من البديهيات الجليات ، أو من الكسبيات ، والسابق على جملة الجليات « 4 » أولى بكونه جليا بديهيا . فثبت بهذا البرهان : أن علم كل أحد بذاته المخصوصة ، أجلى العلوم وأجلها وأظهرها وأقواها . المقدمة الثانية في تقرير أن علم كل أحد بذاته المخصوصة علم في غاية الصعوبة والخفاء : والذي يدل عليه أن المشار إليه لكل أحد بقوله : أنا إما أن يكون هو هذا الهيكل المشاهد ، أو يكون جسما من الأجسام الموجودة داخل هذا الهيكل ، أو يكون صفة من صفات هذا الهيكل ، أو يكون جوهرا مجردا عن هذا البدن وعن علائقه . وهذه الأقسام الأربعة قد حارت عقول العقلاء فيها ، ودارت رؤوسهم في تعيينها ، ومن تأمل في مباحث كلام النفس يجد أن هذه المسألة قد بلغت في الصعوبة إلى الغاية القصوى . فثبت أن هذا العلم صعب غامض . المقدمة الثالثة : إنا قد بينا أن أظهر المعلومات هو علم كل أحد بذاته المخصوصة ونفسه ( المعينة ) « 5 » وبينا أنه مع كونها أظهر المعلومات ، فقد بلغ العلم بها إلى الغاية ( القصوى ) « 6 » . في الصعوبة والخفاء والغموض . وإذا ثبت

--> ( 1 ) من ( ز ) . ( 2 ) يتقدم ( س ) . ( 3 ) من ( ز ) . ( 4 ) البديهيات ( س ) . ( 5 ) من ( ز ) . ( 6 ) من ( س ) .