فخر الدين الرازي

323

المطالب العالية من العلم الإلهي

ونحن قد بينا بالبرهان اليقيني أن ذلك باطل ، إذ لو كان الأمر كذلك ، لزم أن تكون الأشياء المتساوية ، يلزمها لوازم مختلفة . وذلك محال في العقول . أما لو قلنا : إنها في أنفسها مختلفة إلا أنها مع اختلافها في حقائقها متشاركة في كونها ذوات ، بمعنى أنها أمور غير تابعة في وجودها لغيرها ، فعلى هذا التقدير فقد حصلت أشياء مختلفة في الماهية ، مع أنها تكون مشتركة في بعض اللوازم . فثبت : أن الحق ما ذكرناه . وإذا كان الأمر كذلك فقط سقط كلامكم . وأيضا : فمدار هذه الحجة على مقدمتين : إحداهما : أن الذوات بأسرها متساوية في الذاتية . والثانية : أن الأشياء المتساوية وجب أن يصح على كل واحد منها ما يصح على الآخر . فنقول : إن كان الأمر كذلك كما ذكرتم ، فحينئذ يلزمكم جواز أن ينقلب الخالق مخلوقا والمخلوق خالقا [ والممكن واجبا ] « 1 » والواجب ممكنا ، وحينئذ يبطل عليكم كل ما ذكرتموه [ ولما لم يلزم هذا ، فكذا ] « 2 » هاهنا . الحجة الثالثة : إن فاعل العالم بتقدير كونه محدثا ، فإنه يجب أن يكون الإله الأكبر [ الذي هو الخالق لخالق هذا العالم قادرا على خلقه وإيجاده ، وإذا ثبت ذلك فوجب أن يكون ] « 3 » قادرا على كل الممكنات ، وإذا ثبت ذلك فوجب أن يكون قادرا على خلق هذا العالم ، وإذا ثبت هذا فنقول : لو فرضنا شيئا آخر يقدر على خلق هذا العالم ، لزم حصول مقدور واحد لقادرين وهو محال . فوجب أن يكون هذا الفرض محالا . واعلم : أن هذه الحجة لا تتم إلا إذا قلنا : إنه لا يؤثر شيء في وجود [ شيء ] « 4 » إلا قدرة اللّه تعالى ، وأكثر أهل العالم ينازعون في هذا الباب ،

--> ( 1 ) من ( ز ) . ( 2 ) من ( س ) . ( 3 ) من ( س ) . ( 4 ) من ( س ) .