فخر الدين الرازي
313
المطالب العالية من العلم الإلهي
المسألة الخامسة في بيان أنّه - سبحانه - يخالف جملة الممكنات ، لذاته المخصوصة ، لا لصفة زائدة على الذات اعلم . أن جمهور المتكلمين يقولون : الذوات متساوية في كونها ذوات ، وإنما يمتاز بعضها عن بعض بصفات قائمة بها ولما اعتقدوا ذلك ، قالوا : إنه سبحانه وتعالى ذات ، وإن الجسم أيضا ذات ، وامتياز ذاته عن ذوات الأجسام ، لا بد وأن يكون لأجل صفة اختص بها ذات اللّه تعالى ، ولأجل تلك الصفة امتازت ذاته عن سائر الذوات . والذي نقول به : أن ذاته سبحانه وتعالى ذات مفردة منزهة عن جميع جهات التركيب [ وأن تلك الذات لعينها ولذاتها ، مخالفة لسائر الذوات ، وقبل الخوض في الدليل لا بد من تقديم مقدمة وهي في بيان أن الشيء قد يخالف غيره لعينه ولذاته ، من غير حاجة إلى صفة زائدة ] « 1 » والذي يدل على صحة ما ذكرناه وجوه : الأول : إنا لو فرضنا كون الذوات متساوية في الذاتية ، وفرضنا أنه إنما يخالف بعضها بعضا لأجل الصفات القائمة بها ، فتلك الصفات إما أن يكون بعضها مخالف للبعض ، أو لا يكون . والثاني باطل لأن تلك الصفات إذا لم تكن متخالفة ، استحال ضرورة أن تكون تلك الذوات متخالفة لأجلها ، وإن كانت تلك الصفات متخالفة فاختلافها إما أن يكون لصفات أخرى ، وحينئذ يلزم منه التسلسل ، وهو محال . وإن كان اختلافها لأنفسها ولأعيانها ، فحينئذ
--> ( 1 ) من ( ز ) .