فخر الدين الرازي

295

المطالب العالية من العلم الإلهي

فنقول : بقي لنا في المسألة قولان : أحدهما : قول من يقول : [ تمام حقيقة اللّه تعالى هو هذا الوجود ، بشرط كونه غير عارض بشيء من الماهيات . والثاني : قول من يقول ] « 1 » إن وجود اللّه تعالى صفة عارضة لماهيته . فنقول : القول الأول باطل ، والذي يدل عليه وجوه : الحجة الأولى : أن نقول : الوجود من حيث إنه وجود إما أن يقتضي أن يكون قائما بنفسه ، مستقلا بذاته ، غنيا عن كل ما سواه . أو لا يقتضي ذلك . فإن كان الأول وجب أن يكون كل وجود كذلك ، فجميع الموجودات تكون قائمة بأنفسها ، مستقلة بحقائقها ، واجبة التفرد « 2 » بما هي هي ، وهذا ظاهر البطلان ، وإلا لزام أن لا يكون شيء من الممكنات موجودا أصلا ، وإن كان الثاني فحينئذ الوجود من حيث إنه وجود [ لا يكون ] « 3 » قائما بنفسه [ ولا مستقلا بحقيقته ، فوجب أن لا يكون في الوجود موجود قائم بنفسه ] « 4 » مستقل بحقيقته [ وذلك مناقض لقول من يقول : إن وجود اللّه تعالى قائم بنفسه ، مستقل بحقيقته ] « 5 » من حيث إنه هو . وهذا الكلام بلغ في الجلاء والوضوح إلى حيث تشهد فطرة العقلاء « 6 » وغريزتهم بأنه لا يقبل السؤال والاعتراض البتة . الحجة الثانية : وهي قريبة مما تقدم . أن نقول : الوجود من حيث إنه وجود إما أن يقتضي أن يكون عارضا [ لماهية من ] « 7 » الماهيات ، أو يقتضي [ أن يكون ] « 8 » غير عارض لشيء من الماهيات ، أو لا يقتضي ، لا العروض ولا التجرد . فإن كان الحق هو الأول ، فكل وجود فهو عارض لماهية من الماهيات ، ووجود واجب الوجود كذلك . وإن كان الحق هو الثاني ، فكل

--> ( 1 ) من ( ز ) . ( 2 ) التقرير ( س ) . ( 3 ) من ( س ) . ( 4 ) من ( س ) . ( 5 ) من ( ز ) . ( 6 ) العقل ( ز ) . ( 7 ) من ( ز ) . ( 8 ) من ( ز ) .