فخر الدين الرازي

265

المطالب العالية من العلم الإلهي

--> كثيرون من العلماء بقولهم : إن اللّه تعالى يريد تقريب ذاته إلى عقول البشر ، حتى تقدر العقول أن تدرك الألوهية وتقربها . أما هو عز وجل فإنه أكبر وأجل . ولذلك خاطب البشر على قدر عقولهم ، ووضع للعلماء الآيات المحكمات ليدركوا قصد اللّه تعالى من محكم كتابه . وإذا قلنا : إن اللّه تعالى قال في التوراة . فقولنا بحسب المكتوب فيها على طريقة إلزام الخصم بما يعتقد به ، ويسلم به . ونصرح نحن المسلمين باستحالة الالتقاء في عقيدة التوحيد بين النصرانية والإسلام وبيان ذلك ما يلي : أولا : إن المسلمين يعتقدون بأن اللّه تعالى إله واحد . وهذا الإله الواحد يجب أن ينسب إليه المسلم كل صفات الكمال ، ويجب على المسلم أن ينزه اللّه تعالى عن كل نقص . فاللّه تعالى إله واحد ، ومع وحدانيته في الذات والصفات والأفعال يتصف بالقدرة والإرادة والعلم والسمع والبصر والحياة والرحمة والعدل والإحسان ، وهكذا سائر الصفات الطيبة التي تليق بذاته المقدسة . ولا يصح لمسلم أن يصف اللّه بالعجز والقهر والجهل ، وهكذا من الصفات السيئة التي لا تليق بذاته المقدسة . ومعنى هذا : أن الوحدانية في الإسلام يلزمها التنزيه . أي أن اللّه واحد ومنزه عن كل نقص . والدليل على ذلك قول اللّه تعالى : قُلْ : هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ، اللَّهُ الصَّمَدُ ، لَمْ يَلِدْ ، وَلَمْ يُولَدْ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ فقد بينت السورة الكريمة سورة الإخلاص أمران : الأول : هو الوحدانية . والثاني : هو التنزيه . والملة النصرانية تقول بالتوحيد للّه عز وجل . ولكنه توحيد لا تنزيه فيه . وتقول بالتوحيد قولا ، لا اعتقادا . لأنهم يعتقدون في التثليث . وعلى ذلك : الالتقاء مستحيل بين الوحدانية في الإسلام وبين النصرانية لأن التثليث من عقيدتهم ، والتجسيم من عقيدتهم . وعدم التنزيه من عقيدتهم . أما الإسلام ففيه التوحيد قولا واعتقادا ، وفيه التنزيه . ولنبدأ بشرح عقيدة « التوحيد » عند « الأرثوذكس » فنقول : يعتقد الأرثوذكس : أن اللّه تعالى ، حبلت به « مريم » العذراء ، بقوة « الروح القدس » أي بمساعدة « الروح القدس » حبلت مريم بالمسيح . وهذا المسيح هو اللّه نفسه حل في مريم ، واتخذ جسدا ، وصار مسيحا ، ثم خرج من مريم طفلا رضيعا . ومن يرى هذا الطفل من الناس يعتقد أنه « يسوع المسيح » ولكن في الحقيقة هو اللّه تجسد في صورة المسيح . ومثل ذلك مثل « جبريل » لما أتى النبي صلّى اللّه عليه وسلم في صورة « دحية الكلبي » فالناس اعتقدوا أن الآتي هو « دحية » وفي الحقيقة هو « جبريل » - وبهذا يجادل النصارى - ثم يقولون : إن المسيح لما كبر بلغ الرسالة إلى بني إسرائيل في سن الثلاثين ، وفي سن الثالثة والثلاثين قتله اليهود وصلبوه ، ثم إنه نزل جهنم ، وتعذب فيها ثلاثة أيام ، ثم خرج من جهنم إلى القبر ، ومنه ارتفع إلى السماء . وجلس كما كان أولا . هذا هو التوحيد عند نصارى الأرثوذكس . اللّه صار مسيحا . واللّه قبل التجسد في البطن ، يلقب بلقب « الأب » - وهذا هو الأقنوم الأول - وبعد التجسد ، يلقب بلقب « الابن » لأنه في نظر الناس ابن لمريم ، ولأن المزمور الثاني يتحدث عن ابن - وهذا هو الأقنوم الثاني - وبعد القتل ، يلقب