فخر الدين الرازي

247

المطالب العالية من العلم الإلهي

أما كان يزيد حاله حينئذ على هذه الأحوال الموجودة ؟ وإذا كان الأمر كذلك ، فهذه الأحوال وجب أن تكون دالة على أن لها [ إلها ] « 1 » مدبرا حكيما . التاسع عشر : روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « من عرف نفسه فقد عرف ربه » وجاء في التوراة : « يا إنسان اعرف نفسك تعرف ربك » « 2 » وعند هذا قال أهل التحقيق : من عرف نفسه فقد عرف ربه ، لا بطريق المساواة بل بطريق المخالفة ، يعني من عرف نفسه بالحدوث ، عرف ربه بالقدم ، ومن عرف نفسه بالامكان عرف ربه بالوجوب . ومن عرف نفسه بالتركيب [ والتأليف ] « 3 » عرف ربه بالوحدانية والفردانية ومن عرف [ نفسه ] « 4 » بالجهل والعجز والحاجة ، عرف ربه بالعلم والقدرة والاستغناء . وعلى هذا الباب فقس . العشرون : روي أن الموفق باللّه لما حجّ ، وكان قد حضر عنده جمع من المنجمين مثل أبي معشر البلخي ، وما شاء « 5 » اللّه وغيرهما . فقال لهم : إني اسمع أنكم تدعون أن الإنسان يضمر في قلبه ضميرا ، وأنتم تستخرجون ضميره « 6 » وأنا أضمرت الآن ضميرا فاستخرجوه . ثم إن أولئك المنجمين استخرجوا طالع الوقت ، وقال كل واحد منهم كلاما ، فلم يوافق كلام أحد منهم . فقال أبو معشر البلخي : أضمرت ذكرت اللّه . فقال : صدقت . فأخبرني كيف عرفت ؟ فقال : لأنك لما أضمرت أخذت ارتفاع الوقت « 7 » فوجدت نقطة الرأس وسط السماء ، ونقطة الرأس شيء لا يرى ذاته ، ويرى آثار خيره ورحمته [ ووسط السماء أرفع موضع في الفلك . فعرفت أنك أضمرت ذكر موجود لا ترى ذاته ويرى آثار خيره ورحمته « 8 » ] وذلك الموجود هو أرفع

--> ( 1 ) من ( ز ) . ( 2 ) يحتمل أن المعنى من إرمياء 11 : 18 . ( 3 ) من ( ز ) . ( 4 ) من ( ز ) . ( 5 ) الكلمة غير واضحة . ( 6 ) سقط ( س ) وبدلها الضمير [ انه ] . ( 7 ) الارتفاع ( ز ) . ( 8 ) من ( س ) .