فخر الدين الرازي

225

المطالب العالية من العلم الإلهي

الواسع يصلح لأن ينصب الماء فيه ، وعلم أن بقية بنيته الواقعة على الحد المتوسط [ في السعة ] « 1 » والضيق ، صالحة لأن تخرج الماء منه بالقدر المعتدل ، وعلم أن عروقه صالحة لأن توجد [ باليد ] « 2 » فمن كان عقله سليما عن أصناف الآفات ، نقيا . قطع بأن هذا الإبريق المركب من هذه الأجزاء الصالحة لهذه المنافع ، لم يتكون بنفسه ، ولم يتخلق بذاته . وأيضا : لم يتكون بحسب الطبيعة الخالية عن الشعور والإدراك ، بل يقطع بأن فاعلا عالما قادرا علم أن الانتفاع لا يتم إلا بهذا الإبريق في المقاصد المخصوصة [ إلا عند حصول هذه الأجزاء الثلاثة على هذه الصفات المخصوصة ] « 3 » أما الرأس الواسع فلأجل أن يسهل صب الماء في الإبريق ، وأما الثقبة المعتدلة في البلبلة فليحسن خروج الماء منه بالقدر المعتدل ، وأما العروة فليسهل أخذها باليد عند الحاجة إلى استعماله . فلما علم ذلك الفاعل الحكيم أن الانتفاع بالإبريق لا يكمل إلا عند حصول هذه الصفات الثلاثة ، لا جرم ركب ذلك الحكيم خلقه هذا الإبريق على هذا الوجه الصالح والهيئة الموافقة لهذا المقصود » . ثم إن محمد بن زكريا بعد أن ذكر هذا المقال الحسن ، الموافق للمقصود ، شرع في شرح آثار حكمة الرحمن « 4 » في تخليق بدن الإنسان ، وذكر بعض ما فيه من التركيبات العجيبة والهيئات المطابقة للحكمة والمصلحة ، ثم قال بعدها : « وصريح العقل شاهد بأن هذه العجائب والبدائع في تركيب هذا البدن لا يمكن صدورها إلا عن قادر حكيم خلق هذه البنية بقدرته ، وأحكمها بحكمته » . واعلم أن هذا البيان الذي ذكره « 5 » محمد بن زكريا في هذا الموضع بيان حسن كامل ، وعند هذا يظهر للعقل السليم : أن هذه الوجوه المتكلفة المذكورة في بيان أنه يجوز صدور هذه الآثار العجيبة الحاصلة في تخليق بدن الإنسان عن الطبيعة المحضة ، الخالية عن العلم والقدرة : وجوه ضعيفة خسيسة جارية

--> ( 1 ) من ( ز ) . ( 2 ) من ( س ) . ( 3 ) من ( ز ) . ( 4 ) اللّه تعالى ( س ) . ( 5 ) ذكره هذا الرجل في هذا الموضع ( س ) .