فخر الدين الرازي
220
المطالب العالية من العلم الإلهي
وحيث لم يكن [ الأمر ] « 1 » كذلك علمنا أن المؤثرية في تكوين بدن الإنسان ليس هو القوة الطبيعية ، بل الإله الحكيم الرحيم . وأما على القول بأن جسم المني جسما مركبا من أجزاء مختلفة الطبائع [ فنقول : تقرير هذا الدليل بناء على هذا القول من وجهين : الأول : كل مركب فإنه ينتهي تحلل تركيبه إلى البسائط ، فإذا كان جسم المني مركبا من أجسام مختلفة الطبائع ] « 2 » فكل واحد من تلك الأجسام يجب أن يكون [ جسما ] « 3 » بسيطا في نفسه ، والقوة العاملة في تلك المادة البسيطة لا تقبل إلا شكلا متشابها ، وهو الكرة ، وحينئذ يلزم أن يكون جسم الإنسان مشكلا بشكل كرة ، مضموم بعضها إلى البعض ، ولما لم يكن الأمر كذلك ، فقد فسد هذا القول . والوجه الثاني : إن جسم المني جسم رطب ، والجسم الرطب لا يحفظ وضع الأجزاء وترتيبها ، فالجزء الذي يكون مادة للدماغ جزء مخصوص ، والجزء الذي يكون مادة للقلب جزء آخر . وإذا كان الجسم الرطب لا يحفط الوضع والترتيب ، فلعل الجزء الذي هو مادة للقلب ، يحصل فوق الجزء الذي هو مادة للدماغ ، يحصل في الوسط . وحينئذ يجب أن يتولد ذلك الإنسان بحيث يصير قلبه فوق ، ودماغه في الوسط ، وحيث لم يكن الأمر كذلك [ البتة ] « 4 » علمنا : أن حصول جواهر هذه الأعضاء ، وحصول ما بها من الترتيب ، إنما كان بتخليق إله قدير حكيم عليم ، لا بتأثير الطبائع والأفلاك . فإن من لا يكون عليما حكيما امتنع أن تصدر عنه الأفعال المحكمة المتقنة [ الموافقة للمصالح ] « 5 » وهذا دليل قوي كامل . ولقوة ظهوره ، ذكره اللّه تعالى في
--> ( 1 ) من ( ز ) . ( 2 ) من ( ز ) . ( 3 ) من ( ز ) . ( 4 ) من ( ز ) . ( 5 ) من ( ز ) .