فخر الدين الرازي
211
المطالب العالية من العلم الإلهي
وقوعها عند دواعينا الخالصة ، ويجب انتفاؤها عند قيام الصوارف . وإذا كان [ الأمر « 1 » ] كذلك ، وجب القطع بكونها واقعة بنا لا بغيرنا . والدليل على وجوب وقوعها عند حصول الدواعي القوية : أن الصائم في الصيف [ الصائف ] « 2 » إذا اشتدت شهوته لشرب الماء والشارع يأمره بالشرب ، والطبيب يأمره بالشرب « 3 » ، وعلم هذا الإنسان أنه لا مضرة في هذا الشرب ، لا في دينه ولا في دنياه : فإنه يحصل له عند هذا الشرب أعظم اللذات . فإن عند حضور هذه الاعتقادات في قلبه : يستحيل أن لا يشرب الماء . فثبت : أن الفعل عند توفر الدواعي الخالصة عن الصوارف واجب الوقوع . والدليل على أن الفعل ممتنع الوقوع عند حصول الصوارف الخالصة : أن من علم ما في دخول النار من الضرر العظيم ، وعلم أنه لا منفعة له في دخولها البتة . لا في الحال ولا في الاستقبال ، ولا يتوسل بذلك الدخول إلى دفع ضرر أعظم [ ضررا ] « 4 » منه فإن عند حضور هذه الاعتقادات في قلبه ، يمتنع منه دخول النار . فيثبت بهذا البيان : أن عند خلوص الدواعي ، يجب حصول الأفعال ، وعند خلوص الصوارف ، يمتنع حصولها . وإذا ثبت هذا ، فنقول : وجب القطع بأن هذه الأفعال واقعة بنا لا بغيرنا . لأنه لو لم يكن وقوعها بنا ، لكان وقوعها إما أن يكون لا لمؤثر ، أو لمؤثر غيرنا . وعلى التقديرين فكان لا يمتنع أن تقع وإن كرهناها ، ولا أن لا تقع وإن أردناها . كما أن فعل زيد ، لما لم يمكن واقعا بعمرو ، لا جرم ربما وقع وإن كرهه عمرو ، وربما لا يقع وإن أراده عمرو . وذلك يقدح فيما بيناه من أن تلك الأفعال واجبة الوقوع عند توفر الدواعي ، وممتنعة الوقوع عند توفر الصوارف . فيثبت بهذا البيان الذي ذكرناه : أن أفعالنا واقعة بنا . وهذا هو إثبات أصل القياس المذكور .
--> ( 1 ) من ( س ) . ( 2 ) سقط ( س ) . ( 3 ) به ( س ) . ( 4 ) من ( س ) .