فخر الدين الرازي

201

المطالب العالية من العلم الإلهي

كل محدث فهو ممكن الوجود ( لذاته ) « 1 » وذلك لأن كل ما كان محدثا فهو في الحال موجود ، وقد كان قبل وجوده معدوما . ونقول : لو لم تكن حقيقته قابلة للوجود لما وجد في الحال ، ولو لم تكن الحقيقة قابلة للعدم ، لما كانت معدومة في الماضي . فيثبت بما ذكرنا : أن كل ما كان محدثا ، فإن ماهيته قابلة للعدم ، وقابلة للوجود ، ولا معنى للممكن إلا ذلك فيثبت : أن كل محدث فإنه ممكن الوجود لذاته وأما بيان أن كل ما كان ممكنا لذاته فلا بد له من المؤثر : فلمّا مرّ تقريره في البرهان الأول . فإن قيل : لا نسلم أن كل محدث فإنه ممكن الوجود لذاته . قوله : « إنه كان معدوما ثم وجد ، وهذا يدل على أن حقيقته قابلة للعدم والوجود » قلنا : لم لا يجوز أن يقال : إنه كان واجب العدم لذاته في الزمان الأول ، ثم انقلب واجب الوجود لذاته في الزمان الثاني ؟ والذي يدل على أن الذي ذكرناه محتمل : وجوه : الأول : إن العرض عند كثير من الناس مستحيل البقاء ، وإذا كان كذلك فوجوده في الوقت الأول جائز ، ثم إن عدمه في الوقت الثاني واجب ، فإذا عقل أن يكون عدمه بعد وجوده عدما واجبا لذاته ، بحيث يستحيل أن لا يصير ( معدوما . فلم لا يجوز أن يصير وجوده بعد عدمه واجبا لذاته ، بحيث يستحيل عقلا ، أن لا يصير ) « 2 » موجودا ؟ الثاني : وهو ( أن هذا ) « 3 » الآن الذي هو آخر الماضي ، وأول المستقبل كما وجد ، يمتنع بقاؤه ، لأن الحاضر يمتنع أن يكون غير المستقبل فإذا هذا الآن الحاضر كان معدوما قبل حضوره ، ثم صار واجب الحدوث بعد أن كان معدوما ، وبعد حدوثه يمتنع بقاؤه ، فصار واجب العدم ، بعد أن كان موجودا « 4 » فإذا عقل هذا في الآنات ، التي هي آخر الزمان ، فلم لا يعقل مثله في جميع الحوادث ؟

--> ( 1 ) من ( ز ) . ( 2 ) من ( ز ) . ( 3 ) من ( س ) . ( 4 ) معدوما من ( ز ) .