فخر الدين الرازي

181

المطالب العالية من العلم الإلهي

أن يكون حقا فالمقصود حاصل . أما أنه باطل فلأنا نعلم بالضرورة حصول المخالفة بين جسم النار وبين جسم الأرض ، في الأحوال والصفات ، فالقول بأن الجسمية التي بها الاشتراك ، وهذه الصفات التي بها الاختلاف . موجودان متباينان لا تعلق لأحدهما بالآخر لا بكونه صفة له ، ولا بكونه موصوفا به : هو مكابرة . وأما أن بتقدير أن يكون حقا « 1 » فالمقصود حاصل ، وذلك لأن على هذا التقدير تكون الحجميات ذوات قائمة بأنفسها ، متساوية في تمام ماهياتها ، ومتى كان الأمر كذلك ، وجب أن يصح على كل واحد منها كل ما صح على الآخر . فهذا برهان قوي ظاهر في أن الأجسام متماثلة في تمام الماهية . واحتج القائلون : بأن الأجسام لا يمكن أن تكون متماثلة في تمام الماهية بوجوه : الأول : إن الأجسام لو كانت متماثلة في تمام الماهية ، لكان تغير كل واحد منها زائدا عليه ، وهذا محال ، فذاك محال . بيان الشرطية : أن الأجسام لما كانت متساوية في الجسمية ، وكانت مختلفة في التعين ، فمن المعلوم أن ما به المشاركة غير ما به المباينة ، فيلزم كون التعينات مغايرة لتلك الذوات . وبيان أن القول ، بأن التعين زائد على الذات باطل : أن التعينات مشتركة في كونها تعينات ، ويمتاز كل واحد منها عن الآخر بكون ذلك التعين . فيلزم أن يحصل للتعين تعين آخر ، ويلزم التسلسل ، وهو محال ، فيثبت أنا لو قلنا : بأن الأجسام متماثلة [ في تمام ] « 2 » الماهية ، فإنه يلزمنا هذا المحال ، أما إذا لم نقل بهذا القول لا يلزمنا هذا المحال ، لأنا نقول : إن تعين كل جسم عبارة عن حقيقته المخصوصة ، وتلك الحقيقة بتمام ماهيتها مغايرة للحقيقة الأخرى ، فلا يلزم كون التعين زائدا على الذات . الشبهة الثانية : قالوا : لو كانت الأجسام متساوية في الجسمية . ولا شك أنها مختلفة بحسب ما لكل واحد منها من التعين ، فحينئذ يلزم أن يكون تعين كل واحد منها زائدا على ذاته المخصوصة . وإذا كان كذلك فاختصاص كل واحد بتعينه المعين ، إما أن يكون لا لأمر وهو محال - لأن الممكن لا يستغني عن

--> ( 1 ) وأما أن لا يكون حقا ( ز ) . ( 2 ) من ( ز ) .