فخر الدين الرازي
155
المطالب العالية من العلم الإلهي
التقدير الجزء الذي يقتضي القابلية ليس بمؤثر ، والجزء الذي يقتضي التأثير ليس بممكن ، فالذي هو ليس « 1 » بممكن ليس بمؤثر ، والذي هو مؤثر ليس بممكن ، وهو المطلوب . الحجة الثانية : إن الإمكان علة للحاجة إلى المؤثر ، فإما أن يكون علة الحاجة إلى مؤثر مبهم لا بعينه ، وإما أن يكون علة الحاجة إلى مؤثر متعين في نفسه ، والأول باطل ، لأن غير المعين من حيث إنه غير معين لا وجود له في الخارج ، لأن كل ما كان موجودا في الخارج فهو معين ، فما لا يكون معينا يمتنع أن يكون موجودا في الخارج ، وكل ما لا يكون موجودا في الخارج امتنع تحقق الحاجة إليه في الخارج ، ولما بطل هذا القسم ، ثبت أن ماهية الإمكان ، علة للحاجة إلى شيء معين ، وماهية الإمكان واحدة ، من حيث إنها ماهية الإمكان ، فوجب احتياج الممكنات إلى ذلك المعين ، لأن التساوي في العلة ، يوجب التساوي في المعلول . إذا ثبت هذا ، فنقول : لو كان ذلك الشيء المعين ممكنا في نفسه ، لزم كونه محتاجا إلى نفسه ، وكونه علة لنفسه . وذلك محال . فثبت أن جميع الممكنات محتاجة إلى شيء واحد بعينه وثبت أن ذلك الشيء « 2 » المعين يمتنع كونه ممكنا في نفسه ، والموجود الذي لا يكون ممكن الوجود لذاته ، يكون واجب الوجود لذاته . فثبت أن جميع الممكنات مستندة إلى موجود واجب الوجود لذاته ، وهو المطلوب . فإن قالوا : لم لا يجوز أن يقال : الإمكان علة للحاجة إلى السبب من حيث ( إنه سبب ، والأسباب الكثيرة إذا أخذت من حيث ) « 3 » إنها أسباب ، كان المفهوم من مجرد كونها أسبابا مفهوما واحدا . والإمكان ، وإن كان مفهوما واحدا إلا أنه يحوج إلى السبب من حيث إنه سبب « 4 » ، فلم يلزم إسناد كل الممكنات إلى سبب واحد ؟ قلنا : السبب إما أن تعتبر ذاته المخصوصة ، أو يعتبر مجرد كونه سببا ومؤثرا في الغير ، أما الاعتبار الثاني ( فمن
--> ( 1 ) فالذي هو ممكن ( س ) . ( 2 ) من ( ز ) . ( 3 ) من ( ز ) . ( 4 ) حيث انتهت .