فخر الدين الرازي

125

المطالب العالية من العلم الإلهي

باقية ، فإنه يمتنع الحكم عليها بالافتقار إلى المؤثر ، لأنه ثبت أن الباقي في حال بقائه يمتنع افتقاره إلى المؤثر والفاعل ، فعلى هذا ( التقدير ) « 1 » ما لم تقيموا الدلالة على كونها محدثة ، امتنع الحكم عليها بالاحتياج إلى المؤثر ، إلا أنكم لو أثبتم حدوثها ، فحينئذ يسقط هذا الدليل بالكلية ، ويصير هذا الدليل ( هو الدليل الذي ) « 2 » يعول المتكلمون عليه في إثبات العلم بالصانع ، فإنهم يقيمون الدليل على أن العالم محدث ، ثم يقولون : وكل محدث فله محدث ، فحينئذ يحصل لهم العلم بافتقار هذا العالم إلى الصانع ، فيفتقر في تقرير هذا السؤال إلى ( بيان أن ) « 3 » الباقي حال بقائه يفتقر « 4 » إلى المؤثر . والذي يدل عليه وجوه : الأول : إنه لو افتقر الباقي حال بقائه إلى المؤثر لزم إيجاد الموجود ، وهو محال . الثاني : إنه لو كان الأمر كذلك لزم افتقار البناء حال بنائه إلى الباني ، وأيضا من خضب يده بالحناء فإنه يبقى اللون بعد زوال الحناء ، ومن رمى الحجر ، فحركة الحجر باقية بعد زوال مدافعة الرامي . الثالث : إنه يلزم افتقار العدم الباقي حال استمراره إلى المؤثر . الرابع : إن كل عقل سليم يشهد بأن الشيء إذا حصل على وصفه وحاله ، فإنه يبقى على تلك الصفة والحالة إلى وقت طريان المبطل المزيل ، وكذلك فإنا إذا خرجنا من الدار ، كان ظن بقاء تلك الأشياء التي رأيناها أقوى من ظن زوالها ، ولهذا السبب فإنا نقصد للعود إليها ، ولا نقصد العود إلى الدار التي يجوز حدوثها ، وإذا غبنا عن بلد فإنا نكتب الكتب إلى أصحاب تلك البلدة لأجل ما حصل في عقولنا ، من أن الأصل في كل أمر بقاؤه على ما كان ،

--> ( 1 ) من ( س ) . ( 2 ) من ( ز ) . ( 3 ) من ( س ) . ( 4 ) لا يفتقر ( ز ) .