فخر الدين الرازي
116
المطالب العالية من العلم الإلهي
شيئين « 1 » ، فهذا غير لازم ، وإن عنيت أن هذا الوجود الحاصل ( إنما حصل ) « 2 » بتأثير هذا المؤثر فيه ، فهذا مذهبنا الذي لا حق إلا هو ، فلم قلتم إنه محال ؟ والجواب عن الشبهة الثالثة : وهي قولهم : « 3 » « افتقار الأثر إلى المؤثر ، إما أن يكون وصفا ثبوتيا أو عدميا » قلنا : لم لا يجوز أن يكون مفهوما عدميا ؟ قوله : « كونه مفتقرا نقيض لقولنا : إنه غير مفتقر » . قلنا : هذا الكلام يوجب عليكم « 4 » كون العدم وجودا ، وذلك لأن كون العدم مناقضا للوجود ومقابلا له وصف وجودي ، بدليل أن كونه غير مناقض له ، وغير مقابل له ، وصف عدمي وإذا كان اللامناقض واللامقابل وصفا عدميا ، وجب أن يكون كونه مناقضا ومقابلا وصفا وجوديا ، وإذا كان لهذا الوصف وصفا وجوديا ( وهو محمول العدم ، لأنه لا نزاع أن العدم مناقض للوجود ) « 5 » ومقابل له ، فيلزم أن يكون العدم موصوفا بصفة موجودة ، والموصوف بالصفة الموجودة موجود ، فيلزم كون العدم موجودا ، وهو محال . وكل ما ذكروه في الجواب عن هذا الكلام ، فهو عين جوابنا عن هذه الشبهة المذكورة . والجواب عن الشبهة الرابعة : وهي قولكم : « 6 » « الحكم على الشيء بالافتقار يقتضي أن يكون المحكوم عليه بالافتقار مقدما على ذلك الافتقار ومتأخرا عنه » قلنا : هب أن الافتقار إلى الشيء معنى وقع في محل الشك والشبهة ، إلا أن كون الشيء حادثا بعد العدم أمر معلوم بالضرورة ، فإنا نشاهد أن النور يحدث بعد الظلمة ، وأن الحر يحدث بعد البرد ، ونقول : ما ذكرتموه في تقرير هذه الشبهة ، فهو بعينه قائم في الحدوث ، وذلك لأن ذلك الشيء موصوف بالحدوث ، والموصوف متقدم بالرتبة على الصفة ، ويقتضي أيضا ، أن يكون متأخرا عنه ، لأنه وجد بعد أن لم يكن ، وكما أن هذه الشبهة
--> ( 1 ) مرتين ( ز ) . ( 2 ) من ( س ) . ( 3 ) قوله ( س ) . ( 4 ) علم ( س ) . ( 5 ) من ( ز ) . ( 6 ) قولهم ( س ) .