السيد محمد باقر الداماد ( الميرداماد )
178
مصنفات مير داماد
بعينه كالحديد قوّة وقدرة بالفعل على تحريك كلّ من شخصيّاتها المعيّنة بحسب موادّها الشّخصيّة . فأمّا المتكلّفون الحاسبون أنّها عقل لا بالفعل ، بل بالقوّة القريبة من الفعل ، فغير مميّزين بينها بالنسبة إلى تفاصيلها وبين العلم بالأصل ، ك « كلّ إنسان حيوان » ، بالنسبة إلى الفروع ، ك « زيد حيوان » و « عمرو حيوان » . فالعقل الإجمالىّ كأنه بعينه هو جملة تلك العقول التفصيليّة في وحدة . وليس في وسع النفس ما دامت في أرض الغربة ودار الجسد ، مكسوّة كسوة الحسّ مسحورة سحر الطّبيعة ، أن تعقل التفاصيل والكثرانيّات دفعة واحدة . فتعقّلاتها التفصيليّة ما دام لبثها في أفق التقضّى والتّجدّد نفسانيّة على سبيل الانتقال من معقول إلى معقول ، على التّدريج ، والتّرتيب . نعم كلما كانت أوفر طسقا من رفض ظلمة الجسد ، وأكثر تحرّزا من شرّ سحر الطبيعة ، وأصدق تأسّيا وتشبّها بالعقول الفعّالة ، كان عقلها الإجمالىّ أحقّ فعليّة وأشدّ بساطة وأقوى فعاليّة للمراتب التفصيليّة وارتباطا بها . فكان ، لا محالة ، أشبه بعلوم العقول الّتي هي فيوض العلم الحقّ وظلاله . وأيها أيها لها مع تجرّدها وسبوغها أن تشبهه تماميّة وتقدّسا . تقديس ( 67 - العلم البسيط الحقّ أبلغ العلوم تجردا ) فإذن ، قد استبان أنّ العلم البسيط الحقّ بالموجودات الّذي هو نفس ذات فاعلها القيّوم أبلغ العلوم تجرّدا وأقدسها بساطة وأتمّها خلّاقيّة للعلوم التّفصيليّة الّتي هي بعده . وهي ذوات الأشياء الصادرة عنه بطبائعها وهويّاتها ، وأنّ علمه ، جلّ ذكره ، بالتّفاصيل [ 99 ب ] ليس كالعلوم النّفسانيّة ، بل إنّه بقضّها وقضيضها ، أزلا وأبدا ، على شأن واحد وسنّة غير متبدّلة ، وإنّما عقله للشئ على أنّه عنه ، أي : على أن هو مبدأ فاعليّ له ، ويعقل غيره على أنّه فيه ، أي : على أن هو مبدأ قابلىّ . وبالجملة ، كما وجوده الّذي هو ذاته مباين لوجودات الموجودات ، فكذلك علمه مباين لعلوم الموجودات العاقلة ، وعلى هذه السّنّة جميع شؤونه ، فهو لا يقاس بشيء ممّا سواه في حال من أحواله ، والعقول الخالصة القادسة في سبيل إدراكه دهشة حائرة .