سميح دغيم
818
موسوعة مصطلحات الإمام فخر الدين الرازي
- إنّ القلب هو العضو الرئيسي المطلق لسائر الأعضاء ، وإنّ النفس متعلّقة به أولا ، وبواسطة ذلك التعلّق تصير متعلّقة بسائر الأعضاء . وهذا هو مذهب « أرسطاطاليس » وأتباعه من القدماء والمتأخّرين . ومذهب « جالينوس » وأتباعه من الأطباء : إنّ الإنسان عبارة عن مجموع نفوس ثلاثة : النفس الشهوانيّة ، وتعلّقها الأول بالكبد . والنفس الغضبيّة ، وتعلّقها الأوّل بالقلب . والنفس النطقيّة الحكيمة ، وتعلّقها الأوّل بالدماغ . وهذه الأعضاء الثلاثة ، كل واحد منها مستقلّ بنفسه ، منفرد بخواصه وأفعاله . والمختار : أنّ هذا باطل . والحق هو القول الأول . ( مطل 7 ، 163 ، 6 ) - إنّا ( الرازي ) قد بيّنا بالدلائل اليقينية أنّ النفس واحدة . وإذا ثبت هذا ، وجب أن يكون العضو الرئيسي : هو القلب ، ويدلّ عليه التجربة والقياس ، أمّا التجربة : فهي أنّ أكثر أصحاب التجارب ، يشهدون بأنّ أوّل عضو يتخلّق من البدن ، هو القلب . وأمّا القياس فمن وجهين : الأول : إنّ المني جسم مركّب من الطبائع الأربعة ، والهوائية والنارية غالبة عليه . والدليل عليه : أنّ بياض الرطوبات ، إنّما يحصل بسبب اختلاط الأجزاء الهوائيّة بها ، كما يكون في البرد ، فوجب أن يكون بياض المني لهذا السبب . ويتأكّد ما ذكرناه : بأنّ المني إذا ضرّ به البرد ورقّ ، وزال بياضه ، مع أنّ البرد أولى بالتكثيف . وذلك يدلّ على أنّ بياضه ، إنّما كان لأجل أنه اختلط به أجزاء كثيرة من الأجزاء الناريّة والهوائيّة ، فلما ضرّ به البرد ، فارقته تلك الأجزاء النارية والهوائية ، فزال بياضه . وإذا ثبت هذا فنقول : إنه تعالى قدر بحكمته : أن الأجزاء الأرضية والمائيّة الموجودة في المني ، تصير مادة للأعضاء ، وأمّا الأجزاء الهوائية والنارية التي في المني ، فإنّه تعالى يجعلها مادة للأرواح الإنسانية إلّا أنّ تلك الأجزاء الكثيفة واللطيفة تكون مختلطة بعضها بالبعض في أول الأمر ، لكن الجنسيّة علّة الضمّ ، فلا جرم تنضمّ الأجزاء اللطيفة بعضها إلى البعض ، والأجزاء الكثيفة بعضها إلى البعض . ولمّا كان اللطيف سريع التحلّل ، اقتضت الحكمة الإلهيّة جعل تلك الأجزاء اللطيفة في وسط ذلك الجسم ، وجعل تلك الأجزاء الكثيفة محيطة بها ، وصونا لها . وعند هذا يصير جرم المني كالكرة المستديرة ، ويكون باطن تلك الكرة مملوءا من تلك الأجزاء اللطيفة الهوائيّة والناريّة ، ويكون ظاهرها متولّدا من تلك الأجزاء الكثيفة . وذلك الموضع الذي صار موضعا لتلك الأجزاء اللطيفة ، هو الموضع الذي إذا استحكم ، صار قلبا . فلهذا السبب قال أهل التشريح : « أول الأعضاء حدوثا ، هو القلب ، وآخرها موتا هو القلب » . ( مطل 7 ، 163 ، 14 ) - أمّا الذين يقولون : الإنسان عبارة عن جوهر مجرّد مغاير لهذا البدن . فالكل أطبقوا على أنّ النفس باقية بعد موت البدن ، ولمّا بيّنا بالدليل : أنّ النفس جوهر مجرّد ، كان قولنا : النفس باقية بعد موت البدن مفرعا على هذا الأصل . ( مطل 7 ، 213 ، 4 ) - الحجّة الأولى على بقاء النفس بعد موت البدن : أن نقول : قد ثبت أنّ النفس الناطقة : جوهر ليس بجسم ولا في جسم البتّة . ويمتنع