سميح دغيم

731

موسوعة مصطلحات الإمام فخر الدين الرازي

بالمعدوم ، وإذا عرفت هذه المسألة فلترجع إلى المقصود . فنقول أمّا من قال وجود كل شيء نفس ماهيّته لزمه القطع بأنّه متى زال الوجود فقد زالت الماهيّة ، فالقول بأنّ المعدوم شيء لا يتصوّر على مذهب هذا القائل ، أمّا من قال الوجود زائد على الماهيّة فقد اختلفوا في أنّه هل يمكن تقرير الماهيّة عند زوال صفة الوجود ، فمن جوّز ذلك قال المعدوم شيء وعنى به أنّ الماهيّة من حيث هي هي تكون متقرّرة حال ما لا تكون موجودة ، ومن لم يجوّز ذلك قال المعدوم ليس بشيء . إذا عرفت هذا فلنرجع إلى تعيين محلّ النزاع في هذه المسألة فنقول ( الرازي ) : المعدوم إمّا أن يكون واجب العدم ممتنع الوجود وإمّا أن يكون جائزا لوجود جائز العدم ، أمّا الممتنع فقد اتّفقوا على أنّه نفي محض وعدم صرف وليس بذات ولا بشيء ، وأمّا المعدوم الذي يجوز وجوده ويجوز عدمه فقد ذهب أصحابنا إلى أنّه قبل الوجود نفي محض وعدم صرف وليس بشيء ولا بذات ، وهذا قول أبي الحسين البصري من المعتزلة ، وذهب أكثر شيوخ المعتزلة إلى أنّها ماهيّات وذوات وحقائق حالتي وجودها وعدمها ، فهذا هو تلخيص محل النزاع . ( أر ، 58 ، 23 ) - في بيان أنّ المعدوم ليس بشيء وجوده . الحجّة الأولى : أنّ هذه الماهيّات لو كانت متحقّقة في الخارج حال عرائها عن الوجود لكانت متساوية في كونها متحقّقة خارج الذهن ومباينة لخصوصيّاتها المعيّنة ، وما به المشاركة غير ما به الممايزة ، فيلزم أن يكون تحقّق كل ماهيّة وتقرّبها زائدا على خصوصيتها ، ولا معنى للوجود إلّا هذا التحقّق والتقرّر ، فيلزم كونها موجودة حال كونها معدومة وذلك محال ، ومما يدلّ على أنّ كونها متحقّقة خارج الذهن أمر زائد على ماهيّتها المخصوصة ، أنّا إذا قلنا السواد ثم قلنا السواد متقرّر حال العدم ، فنحن ندرك تفرقة بديهية بين ذلك التصوّر وهذا التصديق ، ولولا أنّ تقرّرها خارج الذهن حال عدمها أمر زائد على ماهيّتها وإلّا لما بقي فرق بين التصوّر والتصديق ، وذلك محال على ما قرّرناه ، فثبت أنّ الماهيّات لو كانت متقرّرة حال عدمها لكانت موجودة حال عدمها ، ولمّا كان ذلك محالا علمنا أنّ القول بأنّ الماهيّات متقرّرة حال عدمها محال . ( أر ، 59 ، 11 ) - احتجّ القائلون بأنّ المعدوم شيء بأمور . الحجّة الأولى : أنّ المعدومات متميّزة في أنفسها ، وكل ما يتميّز بعضه عن البعض فلا بدّ وأن تكون في أنفسها حقائق متعيّنة ، ولا معنى لقولنا المعدوم شيء إلّا ذلك ، والذي يدلّ على أنّ المعدومات متميّزة بعضها عن البعض حال عدمها وجوه . الأول وهو أنّا نعلم أنّ غدا تطلع الشمس من المشرق ولا تطلع من المغرب ، وهذان الطلوعان معدومان في الحال ، ونحن الآن نعلم امتياز كل واحد منهما عن الآخر وهذا يدلّ على وقوع الامتياز في المعدومات . الثاني هو أنّا قادرون على الحركة يمنة ويسرة ولسنا قادرين على الطيران إلى السماء ، فقد تميّز أحد المعدومين عن الثاني من حيث أنّ أحدهما مقدور لنا والآخر غير مقدور لنا ، وهذا الامتياز واقع حال العدم ، فثبت وقوع الامتياز في المعدومات . ( أر ، 60 ، 24 ) - لا يقال المراد من قولنا إنّه يمكن أن يكون