سميح دغيم

مقدمة 27

موسوعة مصطلحات الإمام فخر الدين الرازي

مجرّد كونه علما جدليّا مهمّته الدفاع عن العقيدة ، إلى كونه علما يبحث عن اليقين المعرفي في العقيدة . وذلك واضح في معظم مؤلّفات الرازي ، حيث يطلب دائما معرفة اليقين والبحث عنه في صلب العقيدة ، مستفيدا في ذلك من معظم الأدوات المنهجية التي سبقته ، ومن معظم التحوّلات المعرفية التي طرأت نتيجة دخول العلوم الغريبة . فقد شرع الإمام وهو المطّلع على دقائق الأمور في اختلافات فرق المسلمين من متكلّمين وفلاسفة ، في الاستفادة من منهجية الفلاسفة الإسلاميين الخبرية في بناء علم عقدي يرتكز على العقل وينطلق من الفاعل إلى الفعل . هذا التركيز للمنهجية الخبرية ، يجعل من « واجب الوجود هو البرهان على الكل وليس شيء غيره يكون برهانا عليه » . واعتبار الإمام أن اللّه هو البرهان على الكل يتمّ بالنظر العقلي لا بالإخبار النبوي . لكن وبالرغم من كل ذلك ، فقد حافظ الإمام على مذهب السلف الصالح ، وبقي وفيّا للمذهب الأشعري بالرغم مما أخذه من مسلمات الفلاسفة وبعض الأصول الكلامية الأخرى من مثل فرقة المعتزلة . 2 - نتيجة لما تقدّم ، أصبح علم الكلام مع الإمام الرازي ، متوحّدا في كثير من موضوعاته مع الموضوعات الفلسفية . وهذا التوحّد يبرز في أمور ثلاثة : البحث عن الحق ، والتعليل بالدليل ، وجعل المدارك في العقائد الإيمانية عقلية . ونتج عن كل ذلك أيضا تحوّل جذري عند الإمام من موقع الناقد المجادل إلى موقع الناقد الفيلسوف . وبذلك يغدو علم الكلام عند الإمام فلسفة دينية مميّزة مشبعة بروح الإيمان ومرتكز إلى ميتافيزياء إسلامية سليمة . هذه الميتافيزياء الإسلامية ارتكزت في الحقيقة إلى نمو منهجية الاستدلال عند المتكلّمين المتأخّرين ، والذي يعتبر الإمام خير ممثّل لهم . أضف إلى ذلك أن تأثّره بالمنطق الأرسطي ، واستخدامه إيّاه في مباحثه ، شكّل تطوّرا مهمّا في المرتكزات الأساسية لتفكيره . 3 - حاول الإمام من خلال اطلاعه على كتب المتقدّمين والتبحّر في ثنايا مذاهبهم أن « يترك بعض المقبولات وأن يعرض عن بعض المشهورات » ، كل ذلك لأجل وضع أصول كلية وقواعد حقيقية ، غالبا ما ظهرت هذه القواعد والأصول في التمهيدات الطويلة التي تصدّرت كتبه . فكان في الحقيقة طلب « اليقين » أحد أهم القضايا المحوريّة التي انعقد عليها فكر الرازي . يبدو ذلك واضحا تماما في ما أسلفنا ذكره عند تحليلنا لمضمون كتاب « المباحث المشرقية » ولكتابي « المحصل » و « مفاتيح الغيب » ، وقد ظهر ذلك جليّا وواضحا من الوصيّة التي ذيّل