سميح دغيم

191

موسوعة مصطلحات الإمام فخر الدين الرازي

لأنّه إنّما يكون علما لو كان مطابقا للمعلوم ، والعلم بعدم الإيمان إنّما يكون مطابقا ، لو حصل عدم الإيمان . فلو وجد الإيمان مع العلم بعدم الإيمان لزم الجمع بين النقيضين وهو محال . فالأمر بتحصيل الإيمان مع حصول العلم بعدم الإيمان : أمر بالجمع بين الضدّين ، بل أمر بالجمع بين العدم والوجود ، وكل ذلك محال ، ونذكر هذا على وجه رابع وهو : أنّه تعالى كلّف هؤلاء الذين أخبر عنهم بأنّهم لا يؤمنون البتّة بالإيمان ، والإيمان معتبر فيه تصديق اللّه تعالى في كل ما أخبر عنه ومما أخبر به أنّهم لا يؤمنون قط . فقد صاروا مكلّفين بأن يؤمنوا ، وبأنّهم لا يؤمنون قط ، وهذا تكليف بالجمع بين النفي والإثبات . ونذكر هذا على وجه خامس وهو أنه تعالى عاب الكفار على أنّهم حاولوا فعل شيء على خلاف ما أخبر اللّه عنه فقال : يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ ( الفتح : 15 ) فيثبت : أنّ القصد إلى تكوين ما أخبر اللّه عن عدم تكوينه : قصد لتبديل كلام اللّه ، وذلك مما قد نهى اللّه عنه في هذه الآية . ثم إنّ في سائر الآيات أخبر اللّه تعالى عنهم بأنّهم لا يؤمنون البتّة ، فالقصد إلى تحصيل الإيمان ، يكون قصدا إلى تبديل كلام اللّه ، وذلك منهيّ عنه . ثم إنّه أمر الكل بتحصيل الإيمان فكان هذا جمعا بين الأمر والنهي بالنسبة إلى الشيء الواحد ، وذلك تكليف ما لا يطاق . ( مطل 3 ، 305 ، 6 ) - إنّا ( الرازي ) بيّنا : أنّ البديهة دلّت على أنّ الفعل يتوقّف على الدواعي . وبيّنا : أنّ عند حصول الداعية يجب الفعل . وعلى هذا التقدير بالجبر لازم ، ويلزمهم ما ألزموه علينا . وأيضا : فبتقدير أن نقول : فاعل الفعل لا يتوقّف على الداعي ، كان معناه : أنّ القادر يصدر عنه أحد الفعلين من غير أن يميل طبع ذلك الفاعل إلى ذلك الواقع من غير أن يخصّ ذلك الفاعل ، ذلك الواقع بأمر البتّة . وعلى هذا التقدير يكون حصول ذلك الفعل حصولا على الاتفاق من غير تخصيص ، ومن غير ترجيح . والاتفاقيات لا تكون في الوسع والقدرة . فحينئذ يكون التكليف به ، تكليفا بما لا يطاق . وأيضا : بتقدير أن يقول قائل : الفعل يتوقّف على الداعي ، لكن عند حصول الداعي لا يجب . فإنّه إذا لم يجب جاز تارة ، وأن لا يجوز أخرى . وحينئذ يكون اختصاص أحد الوقتين بالوقوع دون الوقت الثاني ، يكون اختصاصه به اتفاقيّا ، لا لمرجّح أصلا . وذلك يوجب الجبر - على ما قرّرناه - . ( مطل 9 ، 268 ، 14 ) - إنّ القدرة إمّا أن تكون قدرة على الفعل حال وجود الفعل أو حال عدمه . والأوّل يقتضي أن يقال : الكافر لا قدرة له على الإيمان . مع أنّه مأمور بالإيمان . فيكون هذا تكليف بما لا يطاق . والثاني محال . لأنّ قبل الوجود يكون الشيء باقيا على عدمه الأصلي ، والعدم الأصلي لا يكون مقدورا ، فيمتنع أن تكون القدرة ، قدرة عليه . ولا يقال : القدرة حال عدم الفعل تقتضي حصول وجود ذلك الفعل في الزمان الثاني . لأنّا نقول : إمّا أن يكون المراد أنّ القدرة تقتضي حصول الوجود في الزمان الثاني قبل حضور الزمان الثاني ، أو