سميح دغيم

164

موسوعة مصطلحات الإمام فخر الدين الرازي

المقدورات ، وتكون صفاته ( اللّه ) منزّهة عن التغيّرات . وأمّا في الأفعال : فأن لا تكون فاعليّته موقوفة على مادّة ومثال ، لأنّ كل مادّة ومثال فهو فعله ، لمّا بيّنا أنّ كل ما عداه فهو ممكن ، وكل ممكن فهو فعله ، فلو افتقرت فاعليّته إلى مادّة ومثال ، لزم التسلسل ، وغير موقوفة على زمان ومكان ، لأنّ كل زمان فهو مركّب من أجزاء منقضية ، فيكون ممكنا ، كل مكان فهو يعدّ ممكن مركّب من أفراد الأحياز ، فيكون كل واحد منهما ممكنا ومحدثا ، فلو افتقرت فاعليّته إلى زمان وإلى مكان ، لافتقرت فاعليّة الزمان والمكان إلى زمان ومكان ، فيلزم التسلسل ، وغير موقوفة على جلب منفعة ، ولا دفع مضرّة ، وإلّا لكان مستكملا بغيره ناقصا في ذاته ، وذلك محال . وأمّا في الأسماء : فكما قال : وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها ( الأعراف : 180 ) . وأمّا في الأحكام : فهو أنّ كل ما شرّعه فهو مصلحة وإحسان وخير ، وأنّ كونه فضلا وخيرا ليس على سبيل الوجوب عليه ، بل على سبيل الإحسان ، وبالجملة يجب أن يعلم من هذا الباب أن حكمه وتكليفه لازم لكل أحد ، وأنّه ليس لأحد عليه حكم ولا تكليف ولا يجب لأحد عليه شيء أصلا ، فهذا هو ضبط معاقد التسبيح . ( مفا 29 ، 205 ، 10 ) تسلسل - في إبطال التسلسل : اعلم أنّه حصل في هذه المسألة أنواع من الدلائل : البرهان الأول : إنّا لو فرضنا كون كل ممكن ، معلولا لممكن آخر ، لا إلى نهاية ، لزم كون تلك الأسباب والمسبّبات موجودة دفعة واحدة بأسرها ، بناء على المقدّمة التي بينّاها ، وهي أنّ السبب لا بدّ وأن يكون موجودا حال وجود المسبّب ، وإن ثبت هذا ، فنقول : مجموع تلك الأسباب والمسبّبات : ممكن الوجود ، والدليل عليه : إنّ ذلك المجموع مفتقر في تحقّقه إلى تحقّق كل واحد من تلك الآحاد وكل واحد من تلك الآحاد ممكن ، فالمجموع مفتقر إلى الأسباب الممكنة ، والمفتقر إلى الممكن أولى بالإمكان ، فثبت أنّ ذلك المجموع ممكن الوجود لذاته ، وكل ممكن فله مؤثّر ، فذلك المجموع له مؤثّر . فنقول : المؤثّر في ذلك المجموع ، إما يكون نفس ذلك المجموع ، أو أمرا داخلا فيه ، أو أمرا خارجا عنه ، فهذه أقسام ثلاثة لا مزيد عليها . أمّا القسم الأول : وهو أن يقال إنّ ذلك المجموع علّة لنفسه ، فهذا باطل من وجوه : الأول : إنّه لا معنى لقولنا إنّه علّة لوجود نفسه ، إلّا أنّه غير محتاج إلى الغير ، وقد دللنا على أنّ ذلك المجموع ممكن لذاته ، فيرجع حاصل هذا الكلام إلى أنّ الممكن غنيّ عن السبب ، فيكون هذا رجوعا إلى المقدّمات السالفة ، من أنّ الممكنات ، هل تتوقّف على السبب أم لا ؟ ونحن إنّما نتكلّم في هذا المقام بعد إثبات أنّ الممكن لا بدّ له من سبب . . . الثالث : إنّ المعلول مفتقر إلى العلّة ، فلو كان الشيء الواحد علّة لنفسه لزم كونه مفتقرا إلى نفسه . والافتقار إلى الشيء نسبة ، والنسبة لا تحصل إلّا بين الأمرين ، فأمّا الشيء الواحد بالاعتبار الواحد ، فيمتنع كونه منسوبا إلى نفسه . وأمّا القسم الثاني وهو أن يقال : علّة ذلك المجموع فرد من أفراد ذلك المجموع ، فهذا أيضا باطل ، لأنّ كل ما كان علّة للمجموع ،