سميح دغيم
81
موسوعة مصطلحات الإمام فخر الدين الرازي
وهو البتّة لا يعلم مقدار الزمان ، ولا عدد الآنات ، التي منها تركّب ذلك الزمان . فثبت بما ذكرنا : أنّ من انتقل من مكان إلى مكان ، فهو لم يعلم أنّ الأجزاء التي حرّكها . كم هي ؟ والأحياز التي منها تألّفت تلك المسافة التي فيها وقعت الحركة . كم هي ؟ والآنات التي منها تألّف الزمان ، الذي هو طرف لتلك الحركة . كم هي ؟ فثبت : أنّ العبد غير عالم بتفاصيل أفعاله البتّة . ( مطل 9 ، 85 ، 15 ) - إنّ العالم كل موجود سوى اللّه ، فتكون أفعال العباد من جملة العالم . ولمّا كان ربّا للعالمين ، وجب أن يكون ربّا لأفعال العباد ، والربّ هو المتصرّف بالشيء ، فيلزم كونه متصرّفا في أفعال العباد ، والتصرّف في أفعال العباد لا يكون إلّا بخلقها وتكوينها . فدلّت هذه الآية على أنّه تعالى خالق لأفعال العباد . ( مطل 9 ، 291 ، 12 ) - أما القائلون بأنّ أفعال العباد مخلوقة للّه تعالى فهذا الكلام على مذهبهم ظاهر ، ثم لهم قولان ، منهم من قال : الختم هو خلق الكفر في قلوب الكفّار ، ومنهم من قال هو خلق الداعية التي إذا انضمّت إلى القدرة صار مجموع القدرة معها سببا موجبا لوقوع الكفر ، وتقريره أنّ القادر على الكفر إمّا أن يكون قادرا على تركه أو لا يكون ، فإن لم يقدر على تركه كانت القدرة على الكفر موجبة للكفر ، فخلق القدرة على الكفر يقتضي خلق الكفر ، وإن قدر على الترك كانت نسبة تلك القدرة إلى فعل الكفر وإلى تركه على سواء ، فإمّا أن يكون صيرورتها مصدرا للفعل بدلا عن الترك يتوقّف على انضمام مرجّح إليها أو لا يتوقّف ، فإن لم يتوقّف فقد وقع الممكن لا عن مرجّح ، وتجويزه يقتضي القدح في الاستدلال بالممكن على المؤثّر ، وذلك يقتضي نفي الصانع وهو محال ، وأمّا إن توقّف على المرجّح ، فذلك المرجّح إمّا أن يكون من فعل اللّه أو من فعل العبد أو لا من فعل اللّه ولا من فعل العبد ، لا جائز أن يكون من فعل العبد وإلّا لزم التسلسل ، ولا جائز أن يكون لا بفعل اللّه ولا بفعل العبد ؛ لأنّه يلزم حدوث شيء لا لمؤثّر ، وذلك يبطل القول بالصانع . فثبت أن كون قدرة العبد مصدرا للمقدور المعيّن يتوقّف على أن ينضمّ إليها مرجّح هو من فعل اللّه تعالى . فنقول : إذا انضمّ ذلك المرجّح إلى تلك القدرة فإمّا أن يصير تأثير القدرة في ذلك الأثر واجبا أو جائزا أو ممتنعا ، والثاني والثالث باطل فتعيّن الأول ، وإنّما قلنا إنّه لا يجوز أن يكون جائزا لأنّه لو كان جائزا لكان يصحّ في العقل أن يحصل مجموع القدرة مع ذلك المرجّح تارة مع ذلك الأثر ، وأخرى منفكّا عنه ، فلنفرض وقوع ذلك ؛ لأنّ كل ما كان جائزا لا يلزم من فرض وقوعه محال ، فذاك المجموع تارة يترتّب عليه الأثر ، وأخرى لا يترتّب عليه الأثر ، فاختصاص أحد الوقتين يترتّب ذلك الأثر عليه إمّا أن يتوقّف على انضمام قرينة إليه ، أو لا يتوقّف ، فإن توقّف كان المؤثّر هو ذلك المجموع مع هذه القرينة الزائدة ، لا ذلك المجموع ، وكنّا قد فرضنا أنّ ذلك المجموع هو المستقل خلف هذا وأيضا فيعود التقسيم في هذا المجموع الثاني ، فإن توقّف على قيد آخر لزم التسلسل وهو محال ، وإن لم يتوقّف فحينئذ حصل