عبد الإله بن سلمان بن سالم الأحمدي

229

المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد بن حنبل في العقيدة

كما نقل عن ذلك عن طائفة من متقدمى علماء الحديث ، كأبي حاتم وأبى زرعة وغيرهم . وامتنع بعضهم من القول بالتخليد « 1 » . وسبب هذا التنازع تعارض الأدلة ، فإنهم يرون أدلة توجب إلحاق أحكام الكفر بهم ، ثم إنهم يرون من الأعيان ، الذين قالوا تلك المقالات من قام به من الإيمان ما يمتنع أن يكون كافرا . فيتعارض عندهم الدليلان وحقيقة الأمر أنهم أصابهم في ألفاظ العموم في كلام الأئمة ما أصاب الأولين في ألفاظ العموم في نصوص الشارع . كلما رأوهم قالوا من قال كذا فهو كافر ، اعتقد المستمع أن هذا اللفظ شامل لكل من قاله ، ولم يتدبروا أن التكفير له شروط وموانع قد تنتفى في حق المعين ، وإن تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين ، إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع ، يبين هذا أن الإمام أحمد وعامة الأئمة : الذين أطلقوا هذه العمومات ، لم يكفروا أكثر من تكلم بهذا الكلام بعينه . فإن الإمام أحمد - مثلا - قد باشر الجهمية الذين دعوه إلى خلق القرآن ، ونفى الصفات ، وامتحنوه وسائر علماء وقته ، وفتنوا المؤمنين والمؤمنات الذين لم يوافقوهم على التجهم بالضرب والحبس والقتل والعزل عن الولايات وقطع الأرزاق ، ورد الشهادة وترك تخليصهم من أيدي العدو بحيث كان كثير من أولي الأمر إذ ذاك من الجهمية الولاة والقضاة وغيرهم : يكفرون كل من لم يكن جهميا موافقا لهم على نفى الصفات ، مثل القول بخلق القرآن ، ويحكمون فيه بحكمهم في الكافر ، فلا يولونه ولاية ، ولا يفتكونه من عدو ، ولا يعطونه شيئا من بيت المال ، ولا يقبلون له شهادة ، ولا فتيا ، ولا رواية ويمتحنون الناس عند الولاية والشهادة ، والافتكاك من الأسر وغير ذلك فمن أقر بخلق القرآن حكموا له بالإيمان ومن لم يقر به لم يحكموا له بحكم أهل الإيمان ، ومن كان داعيا إلى غير التجهم قتلوه أو ضربوه وحبسوه . ومعلوم أن هذا من أغلظ التجهم ، فإن الدعاء إلى المقالة أعظم من قولها وإثابة قائلها وعقوبة تاركها أعظم من مجرد الدعاء إليها ، والعقوبة بالقتل لقائلها أعظم من العقوبة بالضرب .

--> ( 1 ) هناك كلام للشيخ موفق الدين ابن قدامة حول مسألة التخليد . انظره : في ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب : 4 / 154 - 157 . .