ابن أبي شريف المقدسي
97
المسامرة شرح المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة
الكلام باعتبار قيامه بذات الباري تعالى وكونه صفة له ، وهذا محل وفاق . وأما المكلّمية فمأخوذة عند الأشعري من الكلام القائم بذاته تعالى لكن باعتبار تعلقه أزلا بالمكلف ، بناء على ما ذهب إليه هو وأتباعه من تعلق الخطاب أزلا بالمعدوم الذي سيوجد ، وشدد سائر الطوائف النكير عليهم في ذلك « 1 » ، فالأشعري قائل بالمكلمية بمعنى تعلق الخطاب في الأزل بالمعدوم ، والمنكرون لهذا الأصل ينفونها بهذا ( « 2 » المعنى ، ويفسرونها بالإسماع المذكور . فقد ظهر أن المكلمية عند الأشعري « 3 » ) بمعنى سوى الأمرين اللذين ذكرهما المصنف . وباللّه التوفيق . فإن قيل اعتراضا على مذهب الأشعري : التعلق ينقطع بخروج المكلف عن أهلية التكليف بموت ونحوه ، ولو كان قديما لما انقطع . قلنا : المنقطع التعلق التنجيزي وهو حادث ، أما الأزلي فلا ينقطع ولا يتغير ، لما قدمنا في الكلام على الإخبار القائم بالذات من أن التغيّر في اللفظ الدال عليه لا في نفسه ، وأن التغير في المعلوم لا في العلم ، فإنه يؤخذ من ذلك أن التغير في متعلق الكلام وتعلقه التنجيزي لا في التعلق المعنوي الأزلي . ( وأما قيامه ) قسيم لقوله أول هذا الأصل : « أما أنه قديم . . . » أي : وأما قيام الكلام ( بذاته ) سبحانه وتعالى أزلا ( فلأنه تعالى وصف نفسه بالكلام ) في قوله تعالى : قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً ( سورة البقرة : 38 ) وقوله : وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ ( سورة البقرة : 35 ) ومواضع أخرى كثيرة ( والمتكلم الموصوف بالكلام لغة هو من قام الكلام بنفسه ، لا من أوجد الحروف في غيره كما صرّح الشاعر ) وهو الأخطل ( فقال : إن الكلام لفي الفؤاد وإنّما * جعل اللسان على الفؤاد دليلا ) « 4 »
--> ( 1 ) ووجه الإنكار أن المكلمية عند الماتريدية هي إسماع لمعنى ، مثلا : فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ [ طه : 12 ] ولا شك في انقضاء هذه الإضافة التي عرضت خاصة للكلام القديم بإسماعه لمخصوص بانقضاء الإسماع ؛ فالخطاب لا يتعلق بالمعدوم أزلا لأنه إسماع ، والإسماع إضافة ولا شك في انقضائها . ( 2 ) سقط من ( م ) . ( 3 ) سقط من ( م ) . ( 4 ) بيت شعر للأخطل ، ولتمام المعنى ، نورد البيت الذي قبله ؛ وهو : لا يعجبنك من أثير حظه * حتى يكون مع الكلام أصيلا . وقد أثبت محقق كتاب « شعر الأخطل » ، في طبعة دار الشروق ، بيروت - نسبة البيتين إلى الأخطل . انظر : شعر الأخطل ، ص 805 .