ابن أبي شريف المقدسي
93
المسامرة شرح المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة
والجواب : إن إخبار اللّه تعالى لا يتصف أزلا بالماضي والحال والمستقبل لعدم الزمان ، وإنما يتصف بذلك فيما لا يزال بحسب التعلقات ، فيقال : قام بذات اللّه تعالى إخبار عن إرسال نوح مطلقا ، وذلك الإخبار موجود أزلا ، باق أبدا ، فقبل الإرسال كانت العبارة الدالة عليه : « إنا نرسل » وبعد الإرسال : إِنَّا أَرْسَلْنا ، فالتغير في لفظ الخبر لا في الإخبار القائم بالذات ، وهذا كما تقول في علمه تعالى : إنه قائم بذاته تعالى أزلا العلم بأن نوحا مرسل ، وهذا العلم باق أبدا ، فقبل وجوده علم أنه سيوجد ويرسل ، وبعد وجوده علم بذلك العلم أنه وجد وأرسل ، والتغير في المعلوم لا في العلم ، كما يؤخذ مما مرّ في الكلام على العلم والإرادة . واعلم أن المصنف استدل على قدم الكلام على طريق التنزل أولا ، منبها على التنزل آخرا بقوله : « فكيف . . . إلخ » فقال : ( لو لم يمتنع قيام الحوادث به وقام بذاته معنى فترددنا في قدمه معه وحدوثه فيه ، ولا معيّن لأحدهما وجب إثبات قدمه ) أي قدم ذلك المعنى ( لأن الأنسب ، ) أي : لمرجح هو أن الأنسب ( بالقديم ) من حيث هو قديم ( قدم صفاته ، ) إذ القديم بالقديم أنسب من الحادث بالقديم ؛ لاتحادهما في وصف القدم ، ( ولأن الأصل ) في صفات القديم من حيث هو قديم ( عدم الحدوث ، فكيف ) لا يجب إثبات قدم المعنى القائم بذاته ؟ ( إذا بطل قيام الحوادث به ) بأدلته المبينة في محالّها ، فقد وجد المقتضي لثبوت قدم المعنى القائم بذاته تعالى ، وهو ما ذكره من الاستدلال ( مع أنه لا مانع من قدم كلامه النفسي ) تعالى ، وإذا ثبت وجود المقتضي وانتفاء المانع ثبت المدّعى . وقد بين المصنف انتفاء المانع بقوله : ( إذ يعقل قيام طلب التعلم بذات الأب ) من ابن سيولد له ( قبل أن يخلق له ولد ، حتى لو فرض خلقه ) أي الولد ( وعلمه بما قام بأبيه من ذلك الطلب ) بأن خلق اللّه تعالى له علما بما في قلب أبيه من الطلب ( صار ) ذلك الولد ( مأمورا به ) أي : بذلك الطلب الذي قام بذات أبيه ، ودام وجوده إلى وقت علم الولد به . فإن قيل : القائم بذات الأب العزم على الطلب وتخيّله ، لا نفس الطلب ؛ لأن وجود الطلب بدون من يطلب منه شيء محال . قلنا : المحال طلب تنجيزي لا معنوي قائم بذات من هو عالم بوجود