ابن أبي شريف المقدسي

91

المسامرة شرح المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة

الآخر ، وكلّ من الذات المقدّسة وصفاتها لا يتصوّر انفكاك أحدهما عن الآخر . والله أعلم . ( الأصل السادس ) والأصل ( السابع : أنه تعالى متكلّم بكلام قديم أزليّ ، باق أبدي ، قائم بذاته ) لا يفارقها . وقد عقد حجة الإسلام الأصل السادس في كونه تعالى متكلّما والسابع في كون كلامه قديما . ومما يدل على المدّعى ، وهو كونه متكلما : إجماع الرسل عليهم الصلاة والسلام ، فإنه قد تواتر عنهم أنهم كانوا ينسبون له الكلام فيقولون : إنه تعالى أمر بكذا ونهى عن كذا وأخبر بكذا ، وكل ذلك من أقسام الكلام ، فثبت المدّعى . فإن قيل : إن صدق الرسل موقوف على تصديق الله إياهم ، إذ لا طريق إلى معرفته سواه ، وتصديقه تعالى إياهم إخبار عن كونهم صادقين ، والإخبار كلام خاص به تعالى ، فقد توقّف صدقهم في إثبات كلامه على كلامه تعالى ، وذلك دور . قلنا : لا دور ؛ لأن تصديقه تعالى إياهم بإظهار المعجزة على وفق دعواهم ، فإنه يدل على صدقهم : ثبت الكلام ؛ بأن كانت المعجزة من جنسه ؛ كالقرآن الذي يعلم أوّلا أنه معجز خارج عن طوق البشر ، ثم يعلم به صدق الدعوى ، أم لم يثبت ؛ كما إذا كانت المعجزة شيئا آخر . وإثبات صفة الكلام له تعالى هو على ما يليق به سبحانه ، كسائر الصفات . فهو متكلّم بكلام ( ليس بحرف ولا صوت ، هو ) تعالى ( به ) أي : بذلك الكلام ( طالب ) لفعل أو ترك ، ( مخبر ) لعباده بما كان وبما يكون بالنسبة إلى وقت وجودهم ( أما أنه ) يعني الكلام الذي هو صفة له تعالى ( قديم فلأنه ) يمتنع قيام الحوادث بذاته تعالى . وقوله : « هو به طالب مخبر » إشارة إلى أن الكلام متنوع في الأزل إلى أمر ونهي وخبر واستخبار ونداء ، والأولان والرابع والخامس أنواع للطلب . وتنوعه هذا لا ينافي كونه واحدا ؛ لأنها ليست أنواعا حقيقة وإنما هي أنواع اعتبارية تحصل له بحسب تعلقه بالأشياء ، فذلك الكلام الواحد باعتبار تعلقه بشيء على وجه مخصوص يكون خبرا ، وباعتبار تعلقه بشيء آخر أو على وجه آخر يكون أمرا ، وكذا الحال في البواقي .