ابن أبي شريف المقدسي

68

المسامرة شرح المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة

وأشار بقوله : « من غير مقابلة بجهة » إلى دفع قول المعتزلة كالحكماء : إن من شرائط الرؤية مقابلة المرئي للباصرة في جهة من الجهات . وبقوله : « معها مسافة خاصة » إلى رد قولهم : إن من شرائط الرؤية عدم غاية البعد ، بحيث ينقطع إدراك الباصرة ، وعدم غاية القرب فإن المبصر إذا التصق بسطح البصر بطل إدراكه بالكلية ، ولذا لا يرى باطن الأجفان . وأشار بقوله : « وإحاطة بمجموع المرئي » إلى نفي كون الرؤية تستلزم الإحاطة بالمرئي لتكون ممتنعة في حقه تعالى ؛ لأنه لا يحاط به « 1 » ، قال تعالى : وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً ( سورة طه : 110 ) . والحاصل أنه يجوز عقلا أن يخلق القدر المذكور من العلم في الحي على وفق مشيئته تعالى من غير مقابلة لجهة . . . إلخ . وعبّر بقول : « بمجموع » تنبيها على أنه إذا ثبت أن المجموع المركب من أجزاء متناهية يرى دون إحاطة فالذات المنزهة عن التركب والتناهي والحد والجهة أولى بأن تنفك رؤيتها عن الإحاطة . وقد استدل المصنف لجواز الرؤية من غير مقابلة ، و ( « 2 » لجوازها من غير « 3 » ) إحاطة بوقوع أمور ثلاثة : الأول والثالث منها لجوازها دون مقابلة ، والثاني لجوازها من غير إحاطة . فالأول : ما تضمنه قوله : ( كما قد يخلقه ) والجار والمجرور في موضع الحال من المفعول وهو قوله : « هذا القدر من العلم » أي : جاز أن يخلقه دون أن ينقص منه قدر من الإدراك من غير مقابلة مشبها ما قد يخلقه تعالى لمن يشاء ( من غير مقابلة لهذه الحاسة ) أي : البصر ( أصلا ، كما ) وقع لنبيه عليه الصلاة والسلام فقد ( روي عنه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال لهم ) أي : للصحابة المصلين معه ( « سوّوا صفوفكم فإني أراكم من وراء ظهري » « 4 » ) وهو في الصحيحين من حديث أنس بلفظ : « أتموا صفوفكم فإني أراكم من وراء ظهري » ، وللبخاري عن أنس : أقيمت الصلاة فأقبل علينا رسول

--> ( 1 ) لأن الإحاطة تستلزم التحيز الذي يعتبر من خصائص المحدثات . ( 2 ) سقط من ( م ) . ( 3 ) سقط من ( م ) . ( 4 ) رواه البخاري برقم : ( 686 ) ، ومسلم برقم : ( 433 - 434 ) ، وأبو داود برقم : ( 667 - 671 ) ، والنسائي في الإمامة ( 2 / 91 ) رقم : ( 812 ) .