ابن أبي شريف المقدسي
59
المسامرة شرح المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة
أن يتواتر أو ينقل آحادا ، والآحاد إن كان نصا لا يحتمل التأويل قطعنا بافتراء ناقله أو سهوه أو غلطه ، وإن كان ظاهرا فظاهره غير مراد . وإن كان متواترا فلا يتصور أن يكون نصا لا يحتمل التأويل ، بل لا بدّ وأن يكون ظاهرا ، وحينئذ نقول : الاحتمال الذي ينفيه العقل ليس مرادا منه ، ثم إن بقي بعد انتفائه احتمال واحد تعين أنه المراد بحكم الحال ، وإن بقي احتمالان فصاعدا فلا يخلو ؛ إما أن يدل قاطع على واحد منهما أو لا ، فإن دل حمل عليه ، وإن لم يدل قاطع على التعيين فهل يعيّن بالنظر والاجتهاد دفعا للخبط عن العقائد أو لا خشية الإلحاد في الأسماء والصفات ؟ الأول مذهب الخلف ، والثاني مذهب السلف ، وسيأتي أمثلة للتنزيل عليهما . وأما الأجوبة التفصيلية فقد أجيب عن آية الاستواء بأنا نؤمن بأنه تعالى استوى على العرش ( مع الحكم بأنه ليس كاستواء الأجسام على الأجسام من التمكن والمماسة والمحاذاة ) لها لقيام البراهين القطعية على استحالة ذلك في حقه تعالى ، ( بل ) نؤمن بأن الاستواء ثابت له تعالى ( بمعنى يليق به ، هو سبحانه أعلم به ) كما جرى عليه السلف رضوان اللّه تعالى عليهم في المتشابه ، من التنزيه عما لا يليق بجلال اللّه تعالى مع تفويض علم معناه إليه سبحانه . ( وحاصله ) أي : حاصل ما سبق ( وجوب الايمان بأنه ) تعالى ( استوى على العرش مع نفي التشبيه ، فأما كون المراد أنه ) أي : الاستواء ( استيلاؤه على العرش ) كما جرى عليه بعض الخلف ، واقتصر عليه حجة الاسلام في هذا الأصل ( فأمر جائز الإرادة ) يجوز أن يكون مراد الآية ، ولا يتعين كونه المراد ، خلافا لما دل عليه كلام حجة الاسلام من تعينه « 1 » ( إذ لا دليل على إرادته عينا ، فالواجب عينا ما ذكرنا ) من الإيمان به مع نفي التشبيه . ( وإذا خيف على العامة ) لقصور أفهامهم ( عدم فهم الاستواء إذا لم يكن بمعنى الاستيلاء إلا باتصال ونحوه من لوازم الجسمية ) كالمحاذاة ( وأن لا ينفوه ) أي : لا ينفوا ما ذكر من لوازم الجسمية ( فلا بأس بصرف فهمهم إلى الاستيلاء )
--> ( 1 ) انظر : الرسالة القدسية ضمن إحياء علوم الدين ، 1 / 159 .