ابن أبي شريف المقدسي

48

المسامرة شرح المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة

( الأصل الثالث : في البقاء ) وهو : ( أن اللّه تعالى أبديّ ليس لوجوده آخر ، أي يستحيل أن يلحقه عدم ) لأنه قد ثبت قدمه تعالى وما ثبت قدمه استحال عدمه ( لأنه لو جاز عدمه ) لاحتاج انعدامه بعد وجوده إلى علة لما مر من استحالة الترجح بلا مرجح ( فإمّا ) أن ينعدم ( بنفسه ) بأن يكون انعدامه أثرا لقدرته ( أو ) ينعدم ( بمعدم يضادّه ، ) فيمتنع وجوده معه ، وسكت عن المثل والخلاف « 1 » لأنه لا يتوهم صلاحيتهما لعلية انعدام المثل والخلاف ( والأول ) وهو انعدامه بنفسه ( باطل ؛ لأنه لمّا ثبت أنه الموجد الذي استندت إليه كل الموجودات ثبت عدم استناد وجوده إلى غيره ، فلزم أن يكون ) وجوده له ( من نفسه ) أي : اقتضته ذاته المقدسة اقتضاء تاما ( فإذا ثبت أن وجوده مقتضى ذاته ) المقدسة ( استحال أن تؤثر ) ذاته ( عدمها ؛ لأن ما بالذات ) أي : ما تقتضيه الذات اقتضاء تاما ( لا يتخلف عنها . ) وقد تختصر العبارة عن ذلك فيقال : لأن واجب الوجود لا يقبل الانتفاء بحال ، فيلزم بقاؤه كما يلزم قدمه . ( وكذا الثاني ) وهو انعدامه بمعدم يضاده باطل أيضا ( لأن ذلك الضد المقتضي نفيه إما قديم أو حادث ، لا يجوز الأول ) وهو كونه قديما ( وإلّا ) لو جاز كون ذلك الضد قديما ( لم يوجد معه ) أي : لزم انتفاء وجود الباري سبحانه وتعالى مع ذلك الضد ( من الابتداء أصلا ؛ لأن التضاد يمنع الاجتماع ) بين الشيئين اللذين اتصفا به ( وقد ثبت وجوده تعالى ) أزلا ( ومحال وجوده في القديم ومعه ضده ) لما مر آنفا من أن التضاد يمنع الاجتماع ( ولا ) يجوز ( الثاني ) أيضا وهو كون ذلك

--> ( 1 ) الترجيح بلا مرجح : أن يكون الشيء جاريا على نسق معين ، ثم يتغير عن نسقه ويتحول ، دون وجود أي مغير إطلاقا ، ويعبر البعض عنه بحدوث الطفرة ، وهو باطل عقلا ؛ لاحتياج المعلول إلى علة في إيجاده وتغيّره .