ابن أبي شريف المقدسي

315

المسامرة شرح المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة

معناه فظاهر ) أن ما قام به حادث ، ( إذ الأول ) وهو التلفظ المراد به معناه المصدري ( أمر اعتباري ) لا حقيقي ، والاعتباري « 1 » حادث لأنه مسبوق بما يعتبر به ، ( والثاني ) وهو الملفوظ ( معلوم كون العدم سابقا عليه ولاحقا له ) وكل ما سبقه العدم فهو حادث ، وكل ما لحقه العدم كذلك ، لأن ما ثبت قدمه استحال عدمه كما مر أوائل الكتاب ، ( وإن كان ) القارئ ( متدبرا ) لما يتلو ( فإنما يحدث في نفسه صور معاني النظم ) أي : نظم القرآن ، ( وغايتها أن تدل على ) المعنى ( القائم بذات اللّه تعالى ؛ للقطع بأنها ) أي : الصور الحادثة في نفس القارئ المتدبر ( ليست عين ) المعنى ( القائم بذاته ) تعالى ، ( إذ لا يتصور انفكاك ذلك ) المعنى القائم بالذات المقدسة عن الذات ، ( ثم شتان ) أي : افترق ( ما بين الصفتين في النوع ) لأن كلا منهما من نوع سوى نوع الآخر ، ( فإن القائم بذات اللّه تعالى الذي هو المدلول لفعل القارئ صفة الكلام النفسي ) فقوله : « الذي » في محل نصب نعت ل « القائم » وقوله : « صفة الكلام » خبر لأن ( والقائم بنفس القارئ ) هو ( صفة العلم بتلك المعاني النظمية لا ) صفة ( الكلام ، أرأيت قارئ : أَقِيمُوا الصَّلاةَ ( سورة البقرة : 43 ) ) هل ( قام بنفسه طلبها ؟ ) أي : الصلاة أو إقامتها ، أي : الإتيان بها قويمة لا خلل في أركانها ؟ كلا ! لا شك في أنه لم يقم به طلبها ( من المكلفين ) إنما قام به علم بأن اللّه تعالى طلبها من المكلفين ، ( وكذا كل ناقل كلام الغير من أمره ) أي : من أمر ذلك الغير ( ونهيه وخبره ، لم يقم بنفسه منه كلام ، بل علم ) بأن ذلك الغير أمر أو نهي أو خبر . ( فإن قيل : فكيف قال أهل السنة : القراءة حادثة أعني ) بالقراءة ( أصوات القارئ المكتسبة ) له ، ( ولذا ) أي : ولكونها حادثة مكتسبة ( يؤمر بها ) أي : بإيجادها ( تارة ) كما في الصلاة ؛ أمر إيجاب كقراءة الفاتحة ؛ أو أمر ندب كالسورة معها ( وينهى عنها أخرى ) كما في حالتي الجنابة والحيض ، ( وكذا الكتابة ) وهي إيجاد الكاتب صور الحروف وتأليفها حادثة ، ولذا يؤمر بها تارة ؛ كما في كتابة

--> ( 1 ) الاعتبار : مأخوذ من العبور والمجازة من شيء إلى شيء ، ولهذا سميت العبرة عبرة والمعبر معبرا واللفظ عبارة . والاعتبار اصطلاحا عند المحدثين : أن تأتي إلى حديث لبعض الرواة فتعتبره بروايات غيره من الرواة لسير الحديث ، لتعرف هل شاركه فيه غيره ، وعند النظار : هو التدبر وقياس ما غاب على ما حضر ، أو النظر في حقائق الأشياء وجهات دلالتها ليعرف بالنظر فيها شيء آخر من جنسها . والاعتبار يطلق تارة ويراد به مقابل الواقع ؛ هذا أمر اعتباري أي : ليس بثابت في الواقع ، وقد يطلق ويراد به ما يقابل الموجود والخارجي أي : اعتبار الشيء الثابت في الواقع ، والاعتبار هنا في مراد الشارح : ما يقابل الموجود الخارجي .