ابن أبي شريف المقدسي
308
المسامرة شرح المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة
( وروي عن أبي حنيفة رحمه اللّه تعالى أنه قال : إيماني كإيمان جبريل ولا أقول مثل إيمان جبريل ، لأن المثلية تقتضي المساواة في كل الصفات ، والتشبيه لا يقتضيه ) « 1 » أي : لا يقتضي ما ذكر من المساواة في كل الصفات ، بل يكفي لإطلاقه المساواة في بعضها ( فلا أحد يسوي بين إيمان آحاد الناس وإيمان الملائكة والأنبياء ) من كل وجه ، ( بل يتفاوت ) إيمان آحاد الناس وإيمان الملائكة والأنبياء ، ( غير أن ذلك التفاوت ) هل هو ( بزيادة ونقص في نفس الذات ) أي : ذات التصديق والإذعان القائم بالقلب ، ( أو « 2 » ) هو تفاوت لا بزيادة ونقص في نفس الذات ، بل ( بأمور زائدة عليها ؟ فمنعوا ) يعني الحنفية وموافقيهم ( الأول ) وهو التفاوت في نفس الذات ( وقالوا : ما يتخايل ) أي : يظن ( من أن القطع بتفاوت قوة ) أي : من حيث القوة في ذاته ( إنما هو راجع إلى جلائه ) أي : ظهوره وانكشافه ، ( فإذا ظهر القطع بحدوث العالم بعد ترتيب مقدماته ) المؤدية إليه ( كان الجزم الكائن فيه كالجزم في قولنا : الواحد نصف الاثنين ) والأولى أن يقال : « كالجزم في حكمنا » بدل : « في قولنا » . ( وإنما تفاوتهما باعتبار أنه إذا لوحظ هذا ) وهو أن العالم حادث ( كان سرعة الجزم فيه ليس كالسرعة التي في الآخر ) وهو أن الواحد نصف الاثنين ( خصوصا مع عزوب النظر ) وهو ترتيب مقدمات حدوث العالم ، أي : غيبته عن الذهن ( فيخيّل أنه ) أي : الجزم بأن الواحد نصف الاثنين ( أقوى ، و ) ليس بأقوى في ذاته ( إنما هو أجلى عند العقل ، فنحن ) معشر الحنفية ومن وافقنا نمنع ثبوت ماهية المشكك ، ونقول : إن الواقع على أشياء متفاوتة فيه « 3 » يكون التفاوت عارضا لها خارجا عنها لا ماهية لها ولا جزء ماهية ؛ لامتناع اختلاف الماهية واختلاف جزئها « 4 » .
--> ( 1 ) المثلية : من لفظ المثل وهي أعم الألفاظ الموضوعة للمشابهة ، وقد يطلق ويراد به الذات ، وأحيانا يراد به نفي التماثل عن المثل ، وقد يأتي بمعنى الصفة ، والمثل المطلق للشيء هو ما يساويه في جميع أوصافه ، وأما التشبيه فهو في اللغة التمثيل مطلقا ، واصطلاحا : الدلالة على اشتراك شيئين في وصف من أوصاف الشيء الواحد في نفسه وهو مراد المصنف . ( 2 ) في ( م ) : و . ( 3 ) في ( م ) : فبه . ( 4 ) اختلاف الماهية واختلاف جزئها : لا يمكن ذلك لأن الجزء من مكونات الماهية وهو متقدم عليها في دور التركيب ، كما أن عدمه متقدم على عدم الماهية ، فالتركيب الذي هو أخص خصائص الماهية مفتقر إلى أجزائه ، وهو المشكل لحقيقة الماهية ، فعند انعدامه أو تغيره تنعدم الماهية تبعا .