ابن أبي شريف المقدسي

23

المسامرة شرح المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة

واعلم أنه قد كثر استعمال المصنفين في خطبهم لفظ « المتفرد » بصيغة التفعل وكذا « المتوحد » و « المتقدس » ونحوهما ، مع أن الأسماء توقيفية على المرجّح ، وهو قول الأشعري ، ولم يرد بذلك سمع ، وإن ورد أصلها ك « الواحد » و « الأحد » ، أو ما بنحو معناه ك « القدوس » بالنسبة إلى « المتقدس » . وحينئذ فإطلاقها إما على قول القاضي أبي بكر الباقلاني وهو أنه يجوز إطلاق اللفظ عليه تعالى إذا صحّ اتّصافه به ولم يوهم نقصا وإن لم يرد به سمع . أو على مختار حجة الإسلام والإمام الرازي من جواز الإطلاق دون توقيف في الوصف ، حيث لم يوهم نقصا دون الاسم ؛ لأن وضع الاسم له تعالى نوع تصرف ، بخلاف وصفه تعالى بما معناه ثابت له . وقد بسطت الكلام على معنى هذه الصيغة في حقه تعالى بما يتعين مراجعته من « حاشية شرح العقائد » « 1 » . وفي قوله : ( الحاكم على من سواه بالفناء والعدم ) تنبيه على أنه مع تفرده بالقدم متفرد بالبقاء أيضا . وفي قوله : ( ثمّ يعيدهم ) أي : بعد إفنائهم ( لفصل القضاء بينهم ، فيأخذ للمظلوم ممّن ظلم ) أي : ممّن ظلمه ، تنبيه على أن من الحكمة في الإعادة فصل القضاء بين المظلوم وظالمه ، وقد ورد في الحديث إعادة البهائم لهذا التناصف . وفي قوله : ( ويجزي كلّ نفس بما عملت حسب ما علم تعالى وجرى به القلم ) من عملها وجزائه ( ويتدارك بعفوه من شاء ، ومن شاء منه انتقم ) جرى على مذهب أهل السنة والجماعة من أن كلا من العمل وجزائه راجع إلى المشيئة الإلهية ، فلو شاء تعالى لما أثاب الطائع ولا أوجد منه طاعة ، وأن العاصي في المشيئة إن شاء عفا عنه وإن شاء عذّبه ، خلافا لأهل الاعتزال فيهما ، وسيأتي ذلك في محلّه « 2 » ، ( له الأمر كلّه ، لا يسأل عمّا فعل واحتكم ) أي : حكم به أو أودعه من الحكم في خلق مخلوقاته وإبداع مصنوعاته ، أو عمّا أحكمه من ذلك ، وفيه إشارة إلى أنه تعالى لا يجب عليه شيء ، نفيا لمذهب الاعتزال « 3 » .

--> ( 1 ) انظر : « الحواشي البهية على شرح العقائد النسفية 11 ؛ 1 / 5 و 2 / 42 . ( 2 ) في ص : 63 . ( 3 ) وجوب رعاية الأصلح والصلاح عند المعتزلة يتضمن وجوب الثواب للمطيعين والعقاب للمذنبين ، وابتداء الخلق والتكليف بالرعاية ، لنفي العبث في صنعته وإبداعه وخلقه ، وخرجوا من هذا المبدأ بنتائج تخالف المعقول والمنقول ، كالقول بأن خلود الكفار في النار هو الأصلح لهم والأنفع .