ابن أبي شريف المقدسي
194
المسامرة شرح المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة
بقاء الاختيار تحقيقا للابتلاء . ا ه « 1 » . ( وجوّز القاضي ) أبو بكر الباقلاني ( وقوع الكفر ) منهم ( قبل البعثة عقلا ) لكن لم يقع أصلا ، ( قال : ) يعني القاضي ( وأما الوقوع فالذي صح عند أهل الأخبار والتواريخ أنه لم يبعث من أشرك باللّه طرفة عين ، ولا من كان فاسقا فاجرا ظلوما ، وإنما بعث من كان تقيا زكيا أمينا مشهور النسب حسن التربية ، والمرجع في ذلك ) كله عندنا ( قضية السمع ) ، أي : ما تقتضيه الأدلة السمعية وقد اقتضت كل ذلك ، ( و ) أما ( موجب العقل ) فهو ( التجويز والتوبة ، فالعقل لا يمنع وقوعه ) ثم محو أثره بالتوبة قبل النبوة . فإن قيل : تجويز وقوعه منهم ينافي ما يقتضيه شريف منصبهم من وجوب تصديقهم وتوقيرهم وعدم اتصافهم بما ينفر منهم ، وأي منفر أشد من الكفر ؟ ، وكيف يوثق بطهارة الباطن من أثره ؟ قلنا : قد أجاب القاضي عن ذلك بقوله : ( ثم إظهار المعجزة ) أي : بعد وقوعه والتوبة عنه ( يدل على صدقهم ، و ) على ( طهارة سريرتهم ، ) أي : نقاء قلوبهم من أدناس المعاصي ( فيجب ) لذلك ( توقيرهم ، ويندفع النفور عنهم ) « 2 » ولقد كان الإمساك في هذا المختصر عن هذا التجويز أولى « 3 » . ( وخالف بعض أهل الظواهر والحديث في ) اشتراط ( الذكورة « 4 » ، حتى حكموا بنبوة مريم عليها السلام ، وفي كلامهم ) أي : كلام المخالفين في اشتراط الذكورة ( ما يشعر بأن الفرق بين الرسول والنبي بالدعوة وعدمها ) فالنبي على هذا : إنسان أوحي إليه بشرع ، سواء أمر بتبليغه والدعوة إليه أم لا فإن أمر بذلك فهو نبي رسول ، وإلا فهو نبي غير رسول ( وعلى هذا لا يبعد ) ما ذهبوا إليه من نفي اشتراط الذكورة فيمن هو نبي غير رسول ، ( لأن اشتراط الذكورة لكون أمر الرسالة مبنيا على الاشتهار والإعلان والتردد إلى المجامع ) أي : مواضع اجتماع الناس ( للدعوة ) أي : ليدعوهم إلى الإيمان بما جاء به والعمل بمقتضاه ، ( و ) النسوة ( مبني حالهن على التستر والقرار ) لا التردد والاشتهار .
--> ( 1 ) البداية من الكفاية ، للصابوني ، ص 95 . ( 2 ) قارن مع التمهيد ، ص 113 . ( 3 ) تجويز الباقلاني مخالف لما أورده الرازي في كتاب عصمة الأنبياء من أن الأمة أجمعت على أن الأنبياء معصومون عن الكفر والبدعة ، إلا الفضيلة من الخوارج فإنهم يجيزون الكفر على الأنبياء لصدور الذنوب التي تساوي الكفر عندهم ، والروافض يجيزون إظهار الكفر تقية ، انظر : ص 39 . ( 4 ) منهم الإمام الأشعري .