ابن أبي شريف المقدسي
175
المسامرة شرح المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة
قصاصا ، أو يقتص ) بأن يخلق للجماء « 1 » قرنين تقتص بهما حقيقة ، ( فإن ذلك ) أي : فنقول في الجواب أن ذلك بتقدير ثبوته أمر جائز ( لا يمنعه العقل عندنا ، لكن لا نوجبه ) أي : لا نقول بوجوب وقوعه ( منه تعالى ) كما تقول المعتزلة ، ( وإن لم يثبت ) قسيم لقوله : « إن ثبت » أي : وإن لم يثبت ما ورد من الاقتصاص ( كفينا أمره ) فلم نحتج إلى الجواب عنه . فإن قيل : كيف تردد المصنف في ثبوته مع أنه وارد في مسند أحمد بإسناد رواته رواة الصحيح كما قال المنذري ، ولفظه : « يقتص للخلق بعضهم من بعض ، حتى للجماء من القرناء ، وحتى للذرة من الذرة » « 2 » ، وهو في صحيح مسلم بلفظ : « لتؤدّنّ الحقوق إلى أهلها يوم القيامة ، حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء » ، والجلحاء : بجيم فلام فحاء مهملة : هي التي لا قرن لها « 3 » . قلنا : ورود الحديث المشار إليه في صحيح مسلم والمسند لا يخرجه عن كونه خبر آحاد غير مفيد للقطع ، والقطع هو المعتبر في العقائد . إذا تقرر ذلك فقول المصنف : « إن ثبت » لعله يعني به الثبوت المعتبر في العقائد ، أما إن أراد به الثبوت الأعم من الظني والقطعي فلا وجه للترديد . ( واعلم أن الحنفية لما استحالوا عليه تعالى تكليف ما لا يطاق ) كما مر تقريره ( فهم ) أي : الحنفية ( لتعذيب المحسن الذي استغرق عمره في الطاعة ) حال كونه ( مخالفا ) بذلك ( لهوى نفسه في رضا مولاه ) أي : لأجل رضاه وبسببه ( أمنع ، ) أفعل تفضيل هو خبر يتعلق به الجار والمجرور السابق ، أعني قوله : « لتعذيب » ، والمبتدأ قوله : « هم » ، أي : فالحنفية أشد منعا لتعذيب المحسن المذكور ، أي : أنه عندهم أولى بالمنع من تكليف ما لا يطاق ، وهم في ذلك مخالفون للأشاعرة القائلين بأن له تعالى تعذيب الطائع وإثابة العاصي ، ولا يكون ظلما لاستحالة الظلم منه تعالى على ما مر تقريره ، قال تعالى : لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ ( سورة الأنبياء : 23 ) . ثم منع الحنفية ذلك ليس بمعنى أنه يجب عليه تعالى تركه كما تقول
--> ( 1 ) الجماء : التي لا شعر لها ، ( انظر : لسان العرب ، 2 / 319 ) ( 2 ) الحديث في المسند عن أبي هريرة ، انظر : 2 / 363 . ( 3 ) الجلحاء من الجلحة وهو انحسار الشعر ، ومنحسره عن جانبي الوجه ، فالجلحاء من الشاء والبقر بمنزلة الجماء التي لا قرن لها ، ( لسان العرب ، 2 / 319 ) .