ابن أبي شريف المقدسي

166

المسامرة شرح المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة

يتخلف النظر عنه ، ومستند حكم العقل فيه اطراد العادة « 1 » ، ولا يخفى أنه ليس المراد بالنيران فيما مر نيران الآخرة ؛ لأنها وراء الموت لا دونه ؛ ولأنها لم تثبت عند المخاطبين بعد ، بل المراد بها وبالموت تعظيم ما وراءهم وتهويله لا الموت الحقيقي . ( وقد يقال : ) في الاعتراض على هذا التقرير ( مجرد التجويز المذكور ) أي : تجويز العقل صدق ما يقول النبي ( ليس ملزوما عقليا للنظر ولا استحثاث الطبع ) ملزوما عقليا للنظر أيضا لا بمجرده ولا مع التجويز المذكور ( بل قد لا ينساق ) المكلف ( إليه ) أي : إلى النظر ( بغلبة ) أي : بسبب غلبة ( الشهوة ) على استحثاث الطبع ( مع قوة النفس ) المانعة عن الانقياد ( و ) مع ( سهوها ) عن النظر في العواقب ، ( ويعود المحذور ) وهو لزوم الإفحام ، هذا تمام الاعتراض . وحاصله : منع الملازمة . ومن تأمل ما قررناه من أن مستند حكم العقل باللزوم اطراد العادة لم يخف عليه أن هذا المنع مكابرة ؛ لأن مجرد التجويز العقلي لا يقدح في العلم باللزوم المستند ذلك العلم إلى العادة كما قرره المصنف في الأصل العاشر من الركن الأول « 2 » . ( وقد يجاب : ) عن تمسكهم بلزوم الإفحام ( بل مقتضى ما ذكرتم ) من التمسك هو ( وجوب النظر المستلزم لوجوب الإيمان عند دعوة النبي ) إليه ، ( وبه نقول ، وهو لا يفيد وجوبه ) أي : النظر على المكلف ( بلا دعوة ) من النبي له ، ( ولا إخبار أحد له ) أي : للمكلف بما يجب الإيمان به ، ( وهو ) أي : وجوب النظر مطلقا دون دعوة ولا إخبار أحد ( مطلوبكم ) وجرّ قوله : « المستلزم » نعتا ل « النظر » أولى من رفعه نعتا ل « وجوب » من قوله : « وجوب النظر » . وحاصله : أن ما أفاده دليلكم محل وفاق بيننا وبينكم ، ولم يفد مطلوبكم الذي هو محل النزاع ( والحاصل ) من الكلام في دفع الاعتراض بلزوم الإفحام ( أن

--> ( 1 ) اطراد العادة : هو الرباط العقلي الذي يجعل السبب أمرا لا مندوحة عن وقوعه إذا ما وقع سببه ، ويكون الاطراد على ثلاثة أنواع : 1 - اطراد في الظواهر الطبيعية . 2 - اطراد في المجالات اللفظية ، كالاطراد في الحقيقة والمجاز . 3 - الاطراد الحكمي وهو استيعاب الحكم لكافة الأفراد ، كما هو بالنسبة إلى القوانين الوضعية والأحكام التشريعية . ( 2 ) ص 79 .