ابن أبي شريف المقدسي
146
المسامرة شرح المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة
يثبت بتركه نقص في نظر العقل ، وهو فيما نحن فيه البخل كما مر ، فإن هذا عين المذهب الاعتزالي ، وإنما مراده أن ابتداء الخلق واجب الوقوع لتعلق العلم بوقوعه ، وأن ابتداء التكليف كذلك ؛ لأن عدم وقوعه يؤدي إلى محال ، هو انقلاب العلم جهلا وهذا غير ملاق لمقصود أهل الاعتزال . ( وإلّا ) أي : وإن لا يكن ذلك مراد حجة الإسلام بأن سلم لهم إطلاق الوجوب مع تسليم موضوعه في كلامهم على ما قدمناه ( لزم ) أن يسلم ( أن كل أصلح ) للعبد ( يجب وقوعه ) له ؛ ( لأن كل ما علم وقوعه ) للعبد ( فهو الأصلح ) له ( عندهم ؛ ) زعما منهم أن هذا مبالغة في تنزيه الباري تعالى ، ( إذ لا يخفى أن كل مسلم فإنما يقصد المبالغة في تنزيه الباري سبحانه بما ينسبه إليه ، فلا يمكن القول بوجوب الأصلح ) على اللّه سبحانه ( إلا مع القول بأن كل ما وقع في الدارين فهو الأصلح ) للعباد ، لما مر عنهم من أنه يثبت بترك ما لم يقع منه نقص في نظر العقل وهو محال في حقه سبحانه ، ( وصرح الإمام ) يعني إمام الحرمين ( بفهم هذا المعنى من كلام ) أبي القاسم ( الكعبي ) وهو من رؤوس معتزلة بغداد ( وصرح ) أي : الإمام ( بأنهم ) يعني معتزلة بغداد ( قالوا : إن تخليد الكفار في النار والأغلال أصلح لهم ) في الآخرة ، ( وكذا الأصلح للفسقة عندهم في الدنيا أن يلعنهم ويحبط عملهم ) وإذا انتهوا إلى ذلك سقطت مكالمتهم كما قال الإمام في « الإرشاد » « 1 » ؛ لأن كلّا من الأمرين عناد ومكابرة « 2 » في الضروريات ، ( فحقيقة الخلاف ) بيننا وبينهم ( في موضعين : ) أحدهما : ( كون كل واقع روعي فيه الأصلح للعباد ، و ) الثاني : ( أنه لو لم يكن كذلك ) أي : لو لم يكن كل واقع روعي فيه الأصلح للعباد ، بأن وقع ما ليس أصلح لهم ( كان ) وقوعه ( نقصا ) لما مر من أن المنع من الأصلح بخل يجب تنزيهه تعالى عنه ، وقد علمت أن قولهم في كل منهما خطأ ، لما لزم عليه من العناد ومكابرة الضرورة كما قدمناه ( ولزمهم ) مع ذلك ( خطأ ثالث فقالوا به ؛ وهو ) أي : ذلك الخطأ ( عدم قدرته على إصلاحهم ) يعني الكفار والفسقة ( وهدايتهم ) من
--> ( 1 ) انظر : الإرشاد ، ص 293 . ( 2 ) العناد أو المعاندة في اصطلاح المناطقة : المنازعة بين شخصين لا يفهم أحدهما كلام صاحبه وهو يعلم ما في كلام نفسه من الفساد ومجانبة الصواب . أما المكابرة : فهي المنازعة لا لإظهار الصواب ، ولا لإلزام الخصم ، ولكن لإظهار الفضل ، ولا شك في أن مدلول المصطلحين ينطبق على المعتزلة انطباقا تاما في هذه المسألة ، فقولهم وجوب ترك ما لا يحسنه العقل على اللّه والأصلح للعباد كذا وكذا عناد ومكابرة في البديهيات .