ابن قيم الجوزية ( اختصار محمد بن الموصلي )
90
مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق )
فصل اشتمال الكتب الإلهية على الأسماء والصفات أكثر من اشتمالها على ما عداه وذلك لشرف متعلقها وعظمته ، وشدة الحاجة إلى معرفته . فكانت الطرق إلى تحصيل معرفته أكثر وأسهل وأبين من غيره . وهذا من كمال حكمة الرب تبارك وتعالى وتمام نعمته وإحسانه ؛ أنه كلما كانت حاجة العباد إلى الشيء أقوى كان بذله لهم أكثر وأسهل . وهذا في الخلق والأمر . فإن حاجتهم لما كانت إلى الهواء أكثر من الماء في القوت كان موجودا معهم في كل مكان وزمان ، وهو أكثر من غيره وكذلك لما كانت حاجتهم إلى الماء شديدة ، إذ هو مادة أقواتهم وفواكههم وشرابهم كان مبذولا لهم أكثر من غيره . وهكذا الأمر في مراتب الحاجات . ومعلوم أن حاجتهم إلى معرفة ربهم وفاطرهم فوق مراتب هذه الحاجات كلها ، فإنه لا سعادة لهم ولا فلاح ولا صلاح ولا نعيم إلا بأن يعرفوه ويعتقدوه ، ويكون هو وحده غاية مطلوبهم ، والتقريب إليه قرة عيونهم . فمتى فقدوا ذلك كانوا أسوأ حالا من الأنعام ، وكانت الأنعام أطيب عيشا منهم في العاجل وأسلم عاقبة في الآجل . وإذا علم أن ضرورة العبد إلى معرفة ربه فوق كل ضرورة كانت العناية ببيانها أيسر الطرق وأهداها وأبينها ، وإذا سلط التأويل على النصوص المشتملة عليها فتسليطه على النصوص التي ذكرت فيها الملائكة أقرب بكثير ، فإن اللّه تعالى لم يذكر لعباده من صفة ملائكته وشأنهم وأفعالهم عشر معشار ما ذكر لهم من نعوت جلاله وصفات كماله . فإذا كانت هذه قابلة للتأويل فالآيات التي ذكر فيها الملائكة أولى بذلك . ولذلك تأولها الملاحدة كما تأولوا نصوص المعاد واليوم الآخر ، وأبدوا لها تأويلات ليست بدون تأويلات الجهمية لنصوص الصفات . وأولت هذه الطائفة عامة نصوص الأخبار الماضية والآتية . وقالوا للجهمية :