ابن قيم الجوزية ( اختصار محمد بن الموصلي )

76

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق )

الثالث : الجواب عن المعارض ، فإن مدعى الحقيقة قد قام الدليل العقلي والسمعي عنده على إرادة الحقيقة : أما السمعي فلا يمكنك المكابرة أنه معه . وأما العقلي فمن وجهين : عام ، وخاص ، فالعام الدليل الدال على كمال علم المتكلم ، وكمال بيانه ، وكمال نصحه . والدليل العقلي على ذلك أقوى من الشبه الخيالية التي يستدل بها النفاة بكثير . فإن جاز مخالفة هذا الدليل القاطع فمخالفة تلك الشبه الخيالية أولى بالجواز ، وإن لم يجز مخالفة تلك الشبه فامتناع مخالفة الدليل القاطع أولى ، وأما الخاص فكل صفة وصف اللّه تعالى بها نفسه ووصفه بها رسوله صلى اللّه عليه وسلم فهي صفة كمال قطعا . فلا يجوز تعطيل صفات كماله وتأويلها بما يبطل حقائقها . فالدليل العقلي الذي دل على ثبوت الحياة والقدرة والعلم والإرادة والسمع والبصر ، دل نظيره على ثبوت الحكمة والرضى والرحمة والغضب والفرح والضحك . والذي دل على أنه فاعل بمشيئته واختياره دل على قيام أفعاله به . ذلك عين الكمال . وكل صفة دل عليها الكتاب والسنة فهي صفة كمال . والعقل جازم بإثبات صفات الكمال للّه تعالى ، ويمتنع أن يصف نفسه أو يصفه رسوله بصفة توهم نقصا . وهذا دليل أيضا أقوي من كل شبهة للنفاة . يوضحه : أن أدلة مباينة الرب لخلقه وعلوه على جميع مخلوقاته أدلة عقلية فطرية توجب العلم الضروري بمدلولها . وأما السمعية فتقارب ألف دليل . فعلى المتأول أن يجيب عن ذلك كله . وهيهات له بجواب صحيح عن بعض ذلك . فنحن نطالبه بجواب صحيح عن دليل واحد وهو : أن الرب تعالى إما أن يكون له وجود خارج عن الذهن ثابت في الأعيان ، أو لا ؟ فإن لم يكن له وجود خارجي كان خيالا قائما بالذهن لا حقيقة له ؛ وهذا حقيقة قول المعطلة ؛ وإن تستروا بزخرف من القول ، وإن كانت وجوده خارج الذهن فهو مباين له ، أو هو منفصل عنه ، إذا لو كان قائما به لكان عرضا من أعراضه . وحينئذ فإما أن يكون هو هذا العالم ، أو غيره . فإن كان هذا العالم ،