ابن قيم الجوزية ( اختصار محمد بن الموصلي )
62
مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق )
النبي صلى اللّه عليه وسلم « إن ربكم ليس بأعور » « 1 » صريح بأنه ليس المراد إثبات عين واحدة فإن ذلك عور ظاهر تعالى اللّه عنه ، وهل يفهم من قول الداعي « اللهم احرسنا بعينك التي لا تنام » أنها عين واحدة ليس إلا - إلا ذهن أقلف وقلب أغلف . قال ابن تميم : حدثنا عبد الجبار بن كثير قال : قيل لإبراهيم بن أدهم : هذا السبع ؛ فنادى : يا قسورة ، إن كنت أمرت فينا بشيء ، وإلا بعيني فاذهب ، فضرب بذنبه ، وولى مدبرا ، فنظر إبراهيم إلى أصحابه وقال : قولوا اللهم احرسنا بعينك التي لا تنام . واكنفنا بكنفك الّذي لا يرام ، وارحمنا بقدرتك علينا ، لا نهلك وأنت الرجاء . وقال عثمان الدارمي : الأعور ضد البصير بالعينين . وقد استدل السلف على إثبات العينين له تعالى بقوله : تَجْرِي بِأَعْيُنِنا ( القمر : 14 ) وممن صرح بذلك إثباتا واستدلالا أبو الحسن الأشعري في كتبه كلها فقال في كتاب « المقالات » و « الإبانة » و « الموجز » وهذا لفظه فيها : وأن له عينين بلا كيف كما قال : تَجْرِي بِأَعْيُنِنا فهذا الأشعري وغيره لم يفهموا من الأعين أعينا كثيرة ، ولا من الأيدي أيادي كثيرة على شق واحد . ولما رد أهل السنة تأويل الجاهلين لم يقدر الجهمية على أخذ الثأر منهم إلا بأن سموهم مشبهة ، ممثلة ، مجسمة ، حشوية ، ولو كان لهؤلاء عقول لعلموا أن التلقيب بهذه الألقاب ليس لهم ، وإنما هو لمن جاء بهذه النصوص وتكلم بها ، ودعا الأمة إلى الإيمان بها ، ونهاهم عن تحريفها وتبديلها ، ولو كان خصومكم كما زعمتم وحاشاهم مشبهة ممثلة مجسمة لكانوا أقل تنقصا لرب العالمين منكم وكتابه وأسمائه وصفاته بكثير ، لو كان قولهم يقتضي التنقيص فكيف وهو لا يقتضيه لو صرحوا به ؟ فإنهم يقولون : نحن أثبتنا للّه غاية الكمال ونعوت الجلال ؛ ووصفناه بكل صفة كمال ، فإن لزم من هذا تجسيم وتشبيه لم يكن هذا
--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 7131 ، 7408 ) في ذكر الدجال من حديث أبي هريرة يرفعه بلفظ : « ما بعث نبي إلا أنذر أمته الأعور الكذاب ، ألا إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور ، وإن بين عينيه مكتوب : « كافر » ، ورواه مسلم في ( الفتن / 2248 ، 2933 ) .