ابن قيم الجوزية ( اختصار محمد بن الموصلي )

56

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق )

والغلبة ، ولا يعقل هذا إلا جسما ، فإن أثبته العقل غير جسم لم يعجز عن إثبات فوقية الذات لغير جسم . وكذلك من تأول الأصبع بالقدرة فإن القدرة أيضا صفة قائمة بالموصوف عرض من أعراضه ، ففر من صفة إلى صفة . وكذلك من تأول الضحك بالرضى بالإرادة ، إنما فر من صفة إلى صفة ، فهلا أقر النصوص على ما هي عليه ولم ينتهك حرمتها ؟ فإن المتأول إما أن يذكر معنى ثبوتيا أو يتأول اللفظ بما هو عدم محض ، فإن تأوله بمعنى ثبوتي كائن لزمه فيه نظير ما فر منه ( واللّه أعلم ) . فصل ( هل للّه يد واحدة أم أياد وعين واحدة أم أعين . . ) قال الجهمي : ورد في القرآن ذكر الوجه والأعين والعين الواحدة . فلو أخذنا بالظاهر لزمنا إثبات شخص له وجه ؛ وعلى ذلك الوجه أعين كثيرة وله جنب واحد ، وعليه أيد كثيرة ، وله ساق واحد ولا نرى في الدنيا شخصا أقبح من هذه الصورة المتخيلة . قال السني المعظم حرمات اللّه تعالى : قد ادعيت أيها الجهمي أن ظاهر القرآن الذي هو حجة اللّه على عباده ، والذي هو خير الكلام وأصدقه وأحسنه وأفصحه وهو الذي هدى اللّه به عباده وجعله شفاء لما في الصدور ، وهدى ورحمة للمؤمنين ، ولم ينزل كتابا من السماء أهدى منه ولا أحسن ولا أكمل . فانتهكت حرمته وعظمته ونسبته إلى أقبح النقص والعيب ، وادعيت أن ظاهره ومدلوله إثبات شخص له وجه وله أعين كثيرة ، وله ساق واحد ، وادعيت أن ظاهر ما وصف اللّه به نفسه في كتابه يدل على هذه الصفة الشنيعة ، فيكون سبحانه قد وصف نفسه بأقبح الصفات في ظاهر كلامه . فأي طعن في القرائن أعظم من طعن من يجعل هذا ظاهره ؟ ولم يدّع أحد من أعداء الرسول الذين ظاهروه بالمحاربة أن ظاهر كلامه أبطل الباطل ، فلو كان ذلك ظاهر القرآن لكان